أشياء صغيرة لا يجب أن تتغير

عند اقتراب موعد زفافي كان علي تجهيز مسكن الزوجية وكان علي القيام باختيار الالوان التي سيتم بها طلاء المنزل من الداخل. تحدثت مع عامل الطلاء بشأن الألوان المطلوبة وتبدى لي في خيالي أن أقوم بطلاء المنزل باللونين الأصفر الكناري و الأحمر الغامق. أحضر العامل كتيبا يحتوي جميع الألوان التي يمكنني الاختيار من بينها فقمت باختيار اللونين وطلبت منه التنفيذ. قام العامل بتبليغ الألوان المطلوبة لشركة متخصصة تقوم بتصنيع تلك الألوان بالكمبيوتر وبالفعل تم توريد الطلاءات المطلوبة و طلاء المنزل بهذين اللونين.

قام العامل بدعوتي لمعاينة المنزل بعد الطلاء وكان الانطباع الأول الذي دخل نفسي عند رؤيتي للمنزل بعد طلائه هو الاكتئاب الشديد و الكراهية المفرطة للألوان التي قمنا باستخدامها للطلاء حيث بدا لي المنزل أصغر حجما و أحسست بأن الحوائط الكئيبة تكاد تنطبق علي من شدة ضيق المساحة وكراهيتي للألوان بعد تنفيذها. العامل لم يخطئ و شركة الطلاءات قامت بتوريد الألوان المطلوبة بالضبط ولم يكن هناك أي خطأ سوى في الالوان نفسها فقد اكتشفت أن اختياري كان خاطئا تماما. قمت بالطبع بطلب اعادة طلاء المنزل بالكامل بألوان أخرى أكثر تقليدية و أفتح في الدرجات وقمت بدفع تكاليف الطلاء مضاعفة ولكن الخسارة المادية كانت أخف كثيرا من أن أعيش حياتي كلها داخل منزل أكرهه.

المشكلة الأساسية كانت في أن بعض الالوان التي تبدو جيدة في كتيب الألوان تكون بمساحة صغيرة ولن تعلم أبدا كيف يبدو هذا اللون حقا إلا إذا قمت بطلاء حائط كبير بذات اللون أو المنزل بالكامل. هناك الكثير من الألوان تبدو جيدة في المساحات الصغيرة فقط ولا يمكنك استعمالها في المساحات الكبيرة، هناك بعض الألوان كذلك التي تقوم بكسر الملل ولا تصلح لأن تكون لونا كاملا تحيا حياتك كلها و أنت تنظر إليه. الألوان التي قمت باختيارها سابقا ربما كانت تصلح لطلاء ركن صغير من المنزل أو تزيين جزء صغير من حائط ما ولم يكن اختيارها لتكون لونا رئيسيا للمنزل اختيارا جيدا بأي حال من الاحوال.

حكمة صغيرة:

هذا المقال ليس عن الألوان حتما ولكنه عن حكمة صغيرة اكتسبتها من هذا الموقف وهو أنني بامكاني تطبيق هذا الموقف على العلاقات الشخصية جمعاء. لنفترض أنك تعرف شخصا ما معرفة بسيطة وسطحية أو أنه تجمعكما علاقة محدودة بطريقة ما، علاقة عمل مثلا أو جيرة أو حتى قرابة، هذا الشخص يمثل في حياتك مكونا صغيرا و ربما جزء صغير من يومك، علاقتك به تنحصر في المجاملات و الأعياد مثلا أو حتى إلقاء التحية بحكم علاقة العمل أو الجيرة وربما بعض المحادثات الودية من حين لآخر عن الطقس و أحوال البلد. ربما كان هذا الشخص حتى صديقا جيدا تجمعك به علاقة صداقة فقط بدون رابط آخر سواء في العمل أو القرابة. لنفترض الآن أنك أعجبت بهذا الشخص وبطريقة ما أعطيته مساحة أكبر من مساحته الأساسية أو حتى أعطيته دورا آخر غير دوره الأصلي في حياتك، ما الذي سيحدث؟ 

في كثير من الأحيان ستكتشف أن اختيارك بتضخيم حجم ومساحة شخص ما في حياتك كانت اختيارا خاطئا بكل المقاييس بل قد يتسبب هذا الشخص في مكانه و وضعه الجديد بافساد حياتك و تغريمك تكلفة كبيرة سواء على الجانب النفسي أو الاجتماعي أو حتى المادي. ستكتشف أن الشخص الذي قمت بترقيته في حياتك للتو لا يصلح بأي حال من الاحوال لدوره الجديد. يمكنني تطبيق القاعدة السابقة على الكثير من العلاقات الانسانية التي ننصدم بها من حين لآخر وتترك في نفوسنا جروحا غائرة تبقى معنا كشرخ كبير في جدران أرواحنا متى حيينا وربما ستوافقني الرأي السابق بأن تتذكر معي الكثير من المواقف المشابهة لشخص ما كان يسكن حياتك بطريقة ثانوية وعندما قررت تغيير توصيفه ورتبته تسبب في تحويل حياتك لجحيم لا يطاق.

علاقات انسانية قائمة بالفعل:

ربما ستتذكر زميل الدراسة أو العمل الذي قررت في لحظة ما أن تجعله صديقا لك فاكتشفت بعدها عدم مناسبته لك كصديق بأي حال من الأحوال، لا يوجد أي شيء مشترك بينكم سوى علاقة الدراسة أو العمل و بانتهاء تلك العلاقة ستكتشف أنه لا شيء يجمعكما على الاطلاق، لا شيء. ربما أيضا ستكتشف انحراف صديقك الجديد في معاييره الأخلاقية عن معاييرك الثابتة، اختلافه الشديد في الخلفية الاجتماعية و الثقافية و حتى مفهومه للدين و الدنيا. الآن عندك مشكلة أخرى وهي تأثير الصديق الجديد عليك ورغبتك في التخلص منه بأسرع وقت بالاضافة إلى أن هذا الشخص مازال في حياتك بطريقة ما ومازالت تجمعكما العلاقة الأولى التي لم تنتهي بعد.

ربما ستتذكر معي أيضا شخصا كنت تعرفه بطريقة ما في نطاق محدود ثم قررت دفع العلاقة للأمام و مبادلته أو مبادلتها الحب. أنت الآن على أعتاب صدمة عاطفية كبيرة فصديقتك الجديدة قد تكون مناسبة على قدر علاقة الصداقة أو العمل المحدودة، يمكنكما تبادل النكات و التحدث عن أمور عديدة ولكنها بالتأكيد قد لا تصلح كرفيقة كفاح و زوجة في المستقبل. قد تكتشف لديها نوعا من أنواع الهوس بالسيطرة أو الرغبة في الانعتاق من قيود المجتمع البالية، و العكس صحيح بالتأكيد. قد تكتشف أنها أكثر محافظة مما توقع أو أكثر سوداوية في نظرتها للحياة، قد تكون غير مناسبة لك على المستوى الثقافي، قد تشاهدان نوعية مختلفة من الأفلام أو تقرأون لأنواع مختلفة من الكتاب، قد تمتلكون رؤى سياسية مختلفة، قد تكون بعيدة عنك بكثير و أنت لا تعرف هذا حقا.

هل تذكر أيضا صديقك المقرب الذي قررت في لحظة حماقة أن تقوم بمشاركته العمل و انشاء مشروع مشترك يجمعكما ومن أقرب و أكثر أمانة من الصديق؟. مفاجأة يا صديقي أليس كذلك، قد تكتشف أن صديقك ليس كفؤا في العمل و لا يجيد إدارة الموارد المالية على سبيل المثال، قد يتخلف عن دفع التزاماته المادية بحكم الشراكة وقد يتكشف لك أيضا كسله الشديد وعدم كفاءته في العمل. سيكون عليك الآن التعامل مع صديقك الذي أصبح شريكك في العمل وسيتحتم عليك خسارة علاقة الصداقة القديمة بالكامل ولن تعود الأمور كما كانت أبدا فقد تكشفت لك الآن حقيقة جديدة عن صديقك القديم ولم تكن تعلمها من قبل.

الصدمة:

المواقف السابقة تتكرر يوميا في حياتنا ونفاجأ كل مرة بحجم الصدمة التي تسبب لنا بها شخص حسن النوايا ولكن الحقيقة هي أن بعض الأشخاص يجب أن لا تتغير مواقعهم و أحجامهم في حياتك، ربما كان أفضل ما فيهم هو أنهم بعيدون بما يكفي لمنع أذاهم عنا، ربما كانوا غير جديرين بحمل مسئولية أكبر من ما وكل إليهم بالفعل، ربما كانوا يظهرون لك ما تحب منهم إظهاره وستتكشف لك معادنهم الحقيقية في حال تسليط الضوء عليهم واقترابك أكثر من نيرانهم الحارقة. 

كم يحمل الكثيرون منا جروحا من أشخاص مثل هؤلاء وكم يحمل أشخاص آخرون أيضا جروحا كثيرة منا ونحن لا نعلم. هناك الكثير و الكثير من الأشياء الصغيرة في حياتنا والتي تبقي الحياة جميلة و ثرية بتفاصيلها الصغيرة و الدقيقة و ربما منحك الله حياة مثالية بالفعل ولا يمكنك بلوغ أفضل منها. أنا لا أنصحك بتفادي القرب وتجنب الحب فهما مكتوبان على الانسان وفي طبيعته ومكنون نفسه ولكني أنصحك أن تفكر كثيرا قبل تغيير نوعية و طبيعة و حجم علاقتك بأشخاص موجودون بالفعل في حياتك و أن لا تثق بطريقة مفرطة في أشخاص لمجرد معرفتك بجانب واحد من حياتهم بدون معرفتك بالجوانب الأخرى. بعض الأشياء الصغيرة يجب أن تبقى صغيرة في النهاية.

  • 368
  • 1,267


Submit your articles

Submit your articles now to Orrec.