أكثر من بائعة قهوة - قصة قصيرة

أكثر من بائعة قهوة - قصة قصيرة


أريج فتاة رقيقة، تحب دوما الاطلاع على أحوال من حولها، والتفكر فيهم وفي حالهم، ومن وقت لآخر تذهب للمقهى للاسترخاء والانسجام، ولتخفف من على نفسها ضغوط الحياة، ولتفكر في مستقبلها ومخططاتها للفترة القادمة من حياتها دوما.

فذهبت في يوم لمقهى مخصص للفتيات فقط، وطلبت فنجان القهوة بالبندق التي تحبه.

فتقول:"و ما أن أتتني النادلة بفنجان قهوتي، ارتسمت على وجهي الابتسامة، شعرت بالنقاء، صفاء النفس ملأني، هدوء الروح اغتمرني، وتبشش وجهي عندما رأيت تفصيلة ولفتة رقيقة من الفتاة الطاهية لديهم، فلقد وضعت بجانب القهوة بسكويت كلاسيكي الشكل، أحببته كثيرا، وقعت في غرام تلك الفنجان، ليته دام ودام، ومع كل رشفة منه كنت أشعر بقليل من الانسجام مع الجو والمكان."

"كم من قهوة شربتها في فنجان؟ذهبت أتسائل، هل هو الفنجان أم القهوة التي توحي بالاطمئنان، هل السر في الجوهر أم المظهر، أم هو مفهوم تناقلته الأجيال على مر الزمان، أن القهوة هي سر اعتدال المزاج والتركيز والوئام."

"هل هي سبب قبول العريس للعروس في أول زيارة لبيتهم المبجل؟ أم هي سبب رضا المدير عن موظفينه ومساعده؟ هل هي سبب تغافل الأم عن طيش أبنائها؟ أم هو سبب راحة البال لمن يشكو الهم أو الضغط النفسي والمسئولية؟ حقا إنها محيرة، ومازلت لا أعلم ما سر القهوة والفنجان. لكني أعلم ما أعجبني أنا في فنجان قهوتي حينذاك، فقد شعرت من خلاله بالاهتمام، شعرت أن هناك من يهتم بتفاصيل سر سعادتي، وإن لم يكن هذا حقيقي،

أو هو محض صدفة تلاقت مع فكر صافي للطاهية وبعض الإتقان، لكن في كل الأحوال، على إعجابي حاز ونال، بدون أي شك أو سؤال. فنجان يصنعه فنان، فائق الإحساس.. إنسان، تظهر قوته لمن يشرب على حسب مزاجه فهو للقهوة أقرب من أي كيان، فالبنّ حياته، به فرحه ومماته، والفنجان صديقه، يده دائما لا تفارق "إيده"، وإن افترقا يذهب قليلا ثم يعود لفقيده."

ثم أرادات أريج أن تعبر للنادلة على تقديرها وفرحتها بتفانيها في تقديم القهوة لها، فنادتها وقالت لها:" صباح الخير!"

قالت النادلة:"صباح النور، هل هناك خطب في طلبك يا آنستي؟"

قالت أريج:"بل العكس، هناك ما أود شكرك عليه، أنت وصانعة القهوة"

قالت النادلة:" حقا؟؟ ما هو؟ يسعدني أنه شيء يفرحك"

قالت أريج:" كان فنجان قهوتي بالنسبة لي سلام داخلي لأعضائي وحواسي، لم أشعر به قط، ولكن مس بداخلي شيء قديم كان قد فقد دفئه وقارب على التهلكة، أعادت القهوة ومنظر الفنجان به الحياة، قطع في مسار دمي أميال وأميال، ذهب لكل حدب وصوب، وصل لكل ركن وجنب، فاق توقعاتي ووصل للمحال."

ثم أكملت لها وقالت:" بلغي الطاهية أننيأردت الفنجان لو أن يدوم أكثر قليلا، لكن هذا هو ما يسمونه "كل حلو في الدنيا له نهاية وسرعان مايقارب على الاكتمال" لكنه لا يصل أبدا لحد الكمال، فكما كان السر المجهول هو سبب السعادة والعادة جرت على أن القهوة هي حلوة للإنسان وزيادة، لكن من التقليد أن تكون في فنجان، صغير بل أحيانا متناهي في صغر الحجم لا يروي ظمآن ولا يكفي لعطشان، فهو في نفسه كامل وناقص، حلو ومرير، قهوة لكن في فنجان."

فابتسمت النادلة وقالت:" حسنا! سأوصل تعليقك وتقديرك لها، وشكرا لك حقا على التقدير والاحترام."


ثم بعدما ذهبت النادلة، كتبت أريج في مقالها الأسبوعي المطلوب منها في العمل خاطرة تقول فيها:" فنجان قهوتي تفاصيله لامست تجاعيد يدي، كانت قاسية لكن وهج القهوة"حنِّنِت" قلب فنجاني على مسام بشرتي.

"تمويجة" الفنجان وطبقه أسكنت قلبي الولهان وشبقه.

فنجان قهوتي، كم لك من مرات عانيت من "لسعة كنكتي"، تأقلمت على صدمة يدي حين أضعك وسط انشغالي وأنا أهرول لألحق بسيارة العمل وهي في انتظاري، عانيت من ارتطامك حين تسقط من يد طفلتي عندما تلهو بك خلسة من وراء ظهري، تسقي عروستها وتقلدني في حملي لك معي في كل مكان، لكن كل الرخيص بال وانكسر، إلاك، غالي وقوي، والسر هو محبتي.

فنجاني، كل خط يخلفه مشروبي بك يستهواني، يذكرني بكل موقف مؤثر صعب في حياتي بوجودك جافاني.

فنجان قهوتي هو مفتاح حيرتي، أحتار في جمال رغوته و"الوش" الأبيض المنير على سطح بشرته، رغم أن المضمون داكن، بن أصلي به اللون البني ساخن، مشتعل يدفيء الحضن الذي يحتويه، اليد ثم العقل والقلب وما فيه.

قهوتي، قليل منها يأسرني ويحييني، يسحرني ويسليني، كثير منها يقتلني ويترك الجرح غائر يشجيني.

فنجان قهوتي أثار فضولي وحيرتي، زخرفته أمتعت عيني، وملمسه يدغدغ بشرتي."

أكثر من بائعة قهوة - قصة قصيرة


  • Share

    • 71
    • 1,580