إعادة قراءة رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ هل يمكننا نقد الرواية بموضوعية؟

تحتل رواية أولاد حارتنا مكانة رفيعة في مكتبة الأدب العربي المعاصر، ربما لأن كاتبها الأديب الراحل نجيب محفوظ هو أول روائي مصري وعربي يفوز بجائزة نوبل والتي قيل أن من أسباب منحه إياها هي تلك الرواية بالتحديد. ربما كان السبب الآخر في شهرة هذه الرواية هو تطرقها لموضوع شائك يصعب الكتابة فيه وهو المقاربة والرمزية إلى قصة الدين والحياة منذ بدء الخليقة وترميزه حتى للإله نفسه في صورة لم تعجب الكثيرين وأدت بالرواية إلى قائمة المنع والطبع الغير قانوني وحتى رفض نجيب محفوظ نفسه نشرها طالما كان حياً.

إعادة قراءة رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ   هل يمكننا نقد الرواية بموضوعية؟

قصة معاناة الرواية بين محاولات الطبع والمنع:

قام نجيب محفوظ بكتابة رواية أولاد حارتنا بعد فترة من التوقف عن الكتابة الروائية بعد تغير المناخ السياسي بحلول ثورة يوليو ١٩٥٢ حيث ارتأى نجيب محفوظ على حد قوله أن أهدافه من الكتابة قد تحققك جزئياً بحلول الثورة فتوقف لخمس سنين أمضاها في الكتابة التلفزيونية والسينمائية ثم عاد مرة أخرى في أواخر الخمسينيات ليكتب الرواية المثيرة للجدل بعد أن رأى انحراف ثورة يوليو عن مسارها.


طبعت الرواية في عام ١٩٦٢ في لبنان - طبعة دار الأدب - وتم نشرها على صفحات جريدة الأهرام المصرية إلا أن اعتراض الأزهر حينها ومهادنة السلطة السياسية وتقبل محفوظ للوضع والضجة التي أثارتها الرواية في مصر قد أدى بالنهاية لمنعها من الطباعة بناء على طلب محفوظ نفسه الذي وقف طباعة الرواية على الحصول على موافقة الأزهر نفسه لطبعها وهو ما لم يحدث في حياته ولم يمنع هذا قيام بعض الصحف بمحاولات نشر الرواية بالإضافة لوجود العديد من الطبعات المهربة من لبنان والتي كان يمكن الحصول عليها بسهولة من سور الأزبكية للكتب المستعملة بالقاهرة. بعد وفاة محفوظ في ٢٠٠٦ قامت دار الروق بطباعة الرواية أخيراً في طبعة مصرية لم تثر الكثير من الجدل ومازالت تطبع حتى يومنا هذا.


وجود حصار رسمي على الرواية أثار فضول الكثيرين لاقتنائها وأدى بها في النهاية كما قلنا لتصب أكثر الروايات الممنوعة رواجاً بين أوساط المثقفين والعامة الذين قرروا اقتنائها كنوع من الفضول وتحدي المنع الرسمي للرواية إلا أنها ظلت الرواية المغضوب عليها من رجال الدين والمحتفى بها بشدة من رجال الأدب في ازدواجية قطبية غير مفهومة عند قراءة الرواية بالفعل. فلا هي تستحق المنع ولا المدح المبالغ بهما. كانت أولاد حارتنا مجرد رواية جيدة لنجيب محفوظ وليس أكثر من هذا!


المسار الروائي والرمزية:

اعتمدت رواية أولاد حارتنا على مسار روائي سردي اعتمد البعد المكاني المعتاد لأدب نجيب محفوظ وهو الحارة المصرية والفتوات والناس عموماً مع بعض الخير والشر والدين والدجل والسحر. حارة تخيلية تحمل كل أصناف البشر ويقع علي رأسها بيت الجبلاوي العتيق الذي احتجب فيه عن البشر وأخذ يرسل إليهم أبنائه واحداً تلو الآخر ليحكموهم إما بالشدة أو اللين أو الموعظة الحسنة وحتى انهيار الحارة وموت الجبلاوي على يد عرفة الساحر أو العالم الذي استطاع تصنيع القنابل واقتناء القوة ليهدم أسطورة الجبلاوي ويقمع سطوة النبوت.


رواية أولاد حارتنا هي رواية أجيال ولو قرأت يوماً هذا النوع من الروايات لوجدتها مليئة بالأحداث والشخصيات المتعاقبة في بعد زمني طويل نسبياً عن الرواية المعتادة مع تبدل الأجيال وحلول أقوام مكان أقوام. تسير معك الرواية في خط زمني طولي متعاقب يبقى الثابت الوحيد فيه هو الجبلاوي وبيته وتتغير الحارة ويتغير معها أبناء الجبلاوي الذين اختار لهم نجيب محفوظ أسماء شبيهة بأسماء الأنبياء الذين يرمزون لسيرتهم. ستجد عندك (أدهم) وهو رمز لسيدنا آدم و(إدريس) وهو رمز لإبليس و(جبل) وهو رمز لسيدنا موسى و(رفاعة) وهو رمز لسيدنا عيسى عليه السلام ثم (قاسم) وهو رمز لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ثم (عرفة) رمز العلم والمعرفة. لاحظ تشابه الأسماء مع سيرة وأسماء الرموز الدينية المشار إليها وهي رمزية واضحة لا تخفى على العيان وربما كان سبب المشكلة الأساسية في هذه الرواية هو الرمزية الواضحة بشدة مع تطابق رمزية السيرة مع حياة شخصيات الرواية حيث أن وضوح الرمز أدى لاعتماد تأويل واحد لكل الشخصيات والأحداث وهو اعتراضنا الأساسي على الرواية التي لا يمكن أن تتعبك في تتبع رمزيتها الصريحة بدرجة مبالغ فيها.


وضوح الرمزية في شخصيات الرواية بالإضافة إلى الجبلاوي الذي رمز به محفوظ لشخصية الإله نفسه مع تركيب أفعال شخصيات الرواية بحسنها وقبحها أدى إلى اهتياج المشاعر الدينية لدى الكثيرين الذين اعتبروا كلام محفوظ الروائي سهام نقد مباشرة للرموز الدينية وهو أمر منطقي مع وضوح الرمزية كما قلنا مع خضوع هذه الشخصيات للتفاعل في الحياة اليومية في حارة نجيب محفوظ ونظراً لأن أبطال روايات محفوظ يتبعون عادة النمط المضاد للبطولة نفسها مع قيامهم بالعديد من الأفعال السيئة والجيدة أيضاً في نفس الوقت فإن الخلاف كان واقعاً لا محالة اعتماداً على المعطيات السابقة.


هل يمكننا انتقاد الرواية؟

الحقيقة أن انتشار الرواية وقيام دار الشروق المصرية بطبعها بعد وفاة نجيب محفوظ وقيمة محفوظ الأدبية الكبيرة وخاصة بعد فوزه بجائزة نوبل للأدب وحالة الجدل الشديدة بين المدح المبالغ به من أوساط عوام المثقفين والذم المبالغ بين في أوساط عوام المتدينين، كل هذه العوامل قد حجبت الرؤية عن نقد أدبي محايد للرواية من المنظور الأدبي المحض وخاصة مع تعرض محفوظ لمحاولة اغتيال وتكفيره من قبل بعض رجال الدين وإحلال دمه وهو ما جعل أي حديث موضوعي عن الرواية طوال العقود السابقة ضرباً من ضروب المستحيل. لذلك فنحن نسأل السؤال فعلا وسنحاول الإجابة عنه وهو: هل يمكن أن تتعرض الرواية لنقد موضوعي يضعها في مقامها الطبيعي بين الروايات الأخرى؟


حسناً، بعد انقضاء فترة الجدل التي دامت لعشرات السنين وبعد انقضاء أجل محفوظ نفسه فإنه يمكننا الآن أن ننبش قبر هذه الرواية ونقرأها بهدوء بعيداً عن الضوضاء المبالغ بها والتي لا تفيد الأدب في شيء. رواية أولاد حارتنا تقع في موقع متوسط في أدب نجيب محفوظ بل ربما في موقع متأخر نسبياً إذا تحرينا الدقة. لتعرف الفارق فعليك قراءة بعض أدب نجيب محفوظ والذي انقسم لعدة مراحل تاريخية فقد بدأ حياته الأدبية كاتباً للرواية التاريخية مثل (كفاح شعب طيبة) و(رادوبيس) ومروراً بثلاثية القاهرة (قصر الشوق والسكرية وبين القصرين) وروايات الحارة مثل خان الخليلي وزقاق المدق وروايات الفلسفة الذهنية مثل الشحاذ واللص والكلاب والعديد من المجموعات القصصية القصيرة والمسرحيات وسيناريوهات الأفلام.

غموس اللقمة في حارتنا الهوان، لا يدري أحد متى يجيء دوره ليهوي النبوت على هامته.


كان نجيب محفوظ غزير الإنتاج بشدة وكان مخلصاً لعمله الأدبي الذي كان يمارسه بانتظام وتلقائية كروتين يومي مثله مثل تدخينه السيجارة في مواعيد محددة بالساعة والدقيقة وفنجان القهوة وقهوة الفيشاوي واستيقاظه مبكراً ومشيه لمسافات محددة وأسلوب حياته المحافظ بشكل كبير. نجيب محفوظ أديب كبير جداً يصعب انتقاده بالفعل إذ أنه أتقن فن الرواية ووصل به لأبعاد جديدة ولم تكن مفاجأة فوزه بجائزة نوبل إذ أننا يمكننا القول وبكل صدق أنه لا يوجد من أخلص لفن الرواية الأدبية في التاريخ العربي المعاصر كنجيب محفوظ.


علينا إذاً أن نتعامل بحذر شديد مع أدب نجيب محفوظ إلا أن هذا الحذر لا يجب أن يمنعنا أن نعيد صياغة السؤال السابق: هل رواية أولاد حارتنا هي أفضل ما كتب نجيب محفوظ؟


الإجابة بكل بساطة ولا أعتقد أن أي قارئ مخلص لأدب نجيب محفوظ سيختلف معنا هي: لا!


رواية أولاد حارتنا ليست أفضل ما كتب محفوظ ولكنها أكثر ما أثار جدلاً. هذا هو الأمر بكل بساطة. الرواية طويلة للغاية ومغرقة في الرمزية المباشرة التي لا تحمل القارئ العادي على التفكير فيما وراء الرمز وإذا كانت هذه سهوة وسقطة في أدب محفوظ فإننا لا نملك أن نضع الرواية إلا في موقع متأخر بين روايت محفوظ. لكن إذا افترضنا العكس وهو أن محفوظ كان يقصد مباشرة الرمز وإيصال الفكرة بكل صراحة للقارئ المتوسط ودون المتوسط فإننا حينها سنضطر لأن نشكك في نوايا محفوظ من جراء انتقاد صفات العدل الإلهي وكمال الخالق إذا كان هذا ما يقصده نجيب محفوظ حقاً!


الرواية من ناحية التشويق ليست أفضل ما كتب محفوظ أيضاً ومليئة بالإسهاب والمط لأحداث روائية طويلت كتبت علي عجل لملء الصفحات وهي نتيجة طبيعية لمحاولة تلخيص قصة الإنسانية كلها في رواية واحدة. لعل المفاجأة الوحيدة في الرواية هي مقتل الجبلاوي الكبير على يد عرفة الساحر وهي رمزية للفكرة المعاصرة في حينها والتي حاولت إقصاء الإله بالعلم حتى قال نيتشه (لقد قتلنا الإله) ولا أعتقد أن نهاية رواية محفوظ نفسها تختلف عن مقولة نيتشه كثيراً بل ربما هو نفس المعنى الذي أراد محفوظ إيصاله بطريقة مستترة مفتضحة.


الرواية ليست أفضل ما كتب نجيب محفوظ عن الحارة وليست أفضل ما كتب عن الفلسفة بل هي مزيج باهت بين مرحلتين من مراحل فكر محفوظ نفسه وتطور اتجاهاته الأدبية مع الوقت. لربما لو كانت الرمزية في هذه الرواية أقل وضوحاً لكان أفضل للجميع بما فيهم محفوظ نفسه فحينها كانت الرواية ستخضع للعديد من التأويلات التي تثير تساؤلات القارئ من ناحية وتمنع عن محفوظ الأذى ومحاولات التكفير من ناحية أخرى. مجرد افتراض عقلي عن ماذا لو؟!


هل كانت الرواية تستحق كل تلك الضجة؟


اعتماداً على وجهة النظر السابقة فإن الرواية لم تكن تستحق كل تلك الضجة المبالغ بها على مدار السنين فإذا اعتمدت وجهة النظر الدينية فإن تمثيل الإله والأنبياء أنفسهم في عمل أدبي هو فكرة عبثية في الأساس ولا ينبغي أن يعول عليها فإذا كانت مشكلتك مع الأحداث وتصرفات أبطال الرواية فهذا يعني بالأساس تقبلك لتمثيل الرموز في البداية وهو ما كان ينبغي أن يتوقف عنده أهل الدين وليس تصرفات الشخصيات من بعد ذلك. في قول آخر فأنت إن قبلت أن يتم الترميز للإله والأنبياء أساساً فلا يمكنك أن تعترض على تصرفاتهم بعد ذلك لأنه كان ينبغي عليك أن تعترض على تمثيلهم من الأساس لأن خروجهم من إطار القداسة لصفحات الرواية سيملي على الكاتب أن تتفاعل الشخصيات وتفعل الخير والشر وتأكل وتشرب وتعمل وتتعرض للإضطهاد والإهانة وهو ما لا يمكنه قبوله منذ البدء لذلك فكان ينبغي على رجال الدين النأي بأنفسهم عن تأويل الرواية وإسقاط الرمز الديني على الرمز الروائي. هل كان سيختلف رأي الأزهر إن تصرف الجبلاوي بطريقة أفضل مثلا؟ أعتقد أن هذا هو أساس المعضلة.


أما بالنسبة لأهل الأدب وعوام المثقفين الذين أفنوا أعمارهم في الدفاع عن الرواية فيجب علينا أن نسألهم: هل كانت الرواية تستحق كل هذا العناء أصلا؟ هل تمثل الرواية قيمة فلسفية وإنسانية جديدة؟ هل أضافت شيئاً للبشرية؟ هل يجب علينا الدفاع عن كل شيء وأي شيء؟ هل لو كان منع الرواية قد تم لأسباب سياسية هل كنا سنجد كل تلك الحماسة في الدفاع عنها؟ أعتقد أن الوضع المزري لمثقفي الوطن العربي وطائفة النخبة يدعو للرثاء حقاً فحيث كانت قائمة المحظورات والمنع تحوي العديد من الأسماء والروايات والإبداعات الأدبية إلا أن رواية نجيب محفوظ وحدها هي ما أثار موجة التضامن التي احتوت في طياتها على رسالة مبطنة لا تختلف في رداءة رمزيتها عن رداءة رمزية رواية أولاد حارتنا نفسها ولعل القاصي والداني يعرف فحوى تلك الرسالة.

ودخلت تمر حنة بأقداح الشاي فحيَّت جبل تحية حارة، وأثنت على زوجه، وتنبأت له بأنه سينجب ذكرًا، ولكنها قالت مستدركة: لم يعد من فارق بين رجالنا ونسائنا.

خاتمة


في اعتقادي الشخصي أن نجيب محفوظ هو من افتعل أزمة الرواية في ساعة صفاء وأن الرواية كلها هي رواية ساخرة في الأساس وإسقاط ساخر على الواقع وربما هذا هو مغزاها الأعمق على الإطلاق! نجيب محفوظ تعمد السخرية من كل شيء بحس الفكاهة المعروف عنه وحتى نهاية الرواية المفتوحة هي قنبلة سخرية كبيرة. الجبلاوي الغاضب دائما المحتجب بلا سبب والسذاجة المفرطة لأهل الحارة وحالة الفوضى والجهل الدائمين وأبناء الجبلاوي الذين فشلوا في حكم الحارة بشتى الطرق سواء بالشدة أم باللين حتى التفافهم حول عرفة الحاوي الذي سحر أعينهم ببعض الألعاب النارية وقام بقتل الجبلاوي ثم هرب. حالة فوضى عارمة وجهل مطبق بلا أي أمل في مستقبل أفضل. ربما كانت هذه هي رسالة نجيب محفوظ الحقيقية وراء الرواية!.

كيف يتسنى للحب والسلام أن يعيشا بين الفقر ونبابيت الفتوات

المراجع:

موقع ويكيبيديا

موقع سطور 


  • Share

    • 72
    • 2,671