الأم والأسرة والبيئة المحيطة: مؤشرات قياس درجة التسامح لدى الطفل


التسامح مع الأخر وإعطاء سبعين عذر لمن يخطئ ثقافة أصبحت غائبة كثيرًا عن واقعنا الحالي بالرغم من إحتياج عالمنا إلى السلام والتسامح ورفض الكراهية ومجابهة التفرقة بين الآخرين لإختلاف اللون أو الجنس أو الدين، ولأن العنف والإرهاب انتشر فى مجتمعاتنا وهي أفكار ترفضها الأديان السماوية والتقاليد والأعراف العربية الأصيلة فأصبح المتهم الرئيسي هنا فى التقصير فى دوره والتسبب فى تكوين هذه الأمور السلبية هو الأسرة والمجتمع وعدم قيامهما بالتربية والنشأة السليمة لبناء الشخصية التى يجب أن تتوفر فيها الأخلاقيات الحميدة.

 ولكي يكون لدينا مجتمعات متسامحه فلابد من بناء أفراد صالحين فى هذا المجتمع والتى تبدأ منذ مرحلة الطفولة وهي مرحلة التكوين والتعرف والتعلم والتقليد، لذلك يجب على كل أم أن تلاحظ سلوكيات أطفالها جيدًا وفى حالة ملاحظتها أى سلوكيات غريبة تحض على الكراهية أو نكران الأخر ورفضه، فلابد من أن تقاوم هذه السلوكيات وإرجاعها إلى مصارها الصحيح، من خلال عدة خطوات أهمها ما يتعلق بملاحظة الطفل لهذه الصفات سواء كان من الأم أو الأسرة أو المدرسة، وهو ما ستوضحه بتفصيل موجز، الدكتورة فؤاده هداية، أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس فى النقاط التالية:

أولا: إن اول درس فى تعليم الطفل ثقافة التسامح وتقبل الأخر يأتى من خلال العلاقة التى تجمع الأم بالطفل، حيث يجب أن يلاحظ الطفل في علاقته مع والدته ثقافة التسامح والعفو عند إرتكاب بعض الأخطاء، ويجب على الأم أن تستمع جديًا للطفل وتلاحظ تصرفاته وفى حالة خطأه واعتذاره فعلى الأم أن تقبل على الفور هذا الإعتذار وتعلن مسامحتها له.

هذه الخطوة مهمة جدًا لدى الطفل لأنه يحتاج إلى الشعور بأن من حوله يتقبله ويحبه ويتسامح معه إذا أخطأ ويغفر له إذا أرتكب أى مخالفة لأنه سينشأ على هذه الطريقة فتشكل له شخصية متسامحه تحب العفو وتقبل الإعتذار، أما فى حالة إذا كانت الأم تتحلى بصفات مختلفة فإن قسوتها مع طفلها ورفضها إعتذاره يكون لها مردودها سلبي للغاية إذا يكتسب الطفل هذه الصفات القاسية من والدته، لذلك فإذا رغبنا فى أن نعلم الطفل ثقافة الأعتذار فيجب أن تجربها الأم معه وتعوده على هذه الثقافة في التعامل بينهما.

ثانيا: الثقافة التى تتعامل بها الأسرة مع الآخرين ومدى سماحة الأسرة وحبها للسلام والعفو وتقبلها لآخرين، وهو درجات متفاوته مختلفة، فعلى سبيل المثال إذا كانت الأسرة لديها ميول طائفية او عنصرية وأفرادها متشددين فى معاملاتهم تجاه الأخر، فإن ذلك سينعكس على الطفل بكل تاكيد مما يؤدي إلى إكتسابه هذه الصفات السيئة لأن الطفل فى سن صغير يقلد كل ما حوله ليس فى الكلام فقط وانما فى ما يراه أمامه، وهو ما تم إكتشافه فى العديد من الدراسات التى أجريت لقياس حالات التعصب والعنف لدى الأطفال.

وفي دراسة قام بها عدد من علماء النفس فى أمريكا إبان الحروب الأهلية هناك، لقياس أسباب التعصب لدى الأطفال ضد الزنوج، تم إكتشاف أن أسر هؤلاء الأطفال ليس من بينهم أصدقاء زنوج كما أن من يقوم ببيع اللبن لهم زنجي وعامل النظافة زنجي، بالإضافة إلى أن الأسر نفسها لديها ميول عنصرية ضد الزنوج، وخلصت الدراسة إلى أن الأطفال لديهم مواقف رفض للزنوج نتيجة سلوكيات أسرهم.

ثالثًا: تأثير البيئة المحيطة فإذا كانت البيئة المحيطة بالطفل صالحه وتدعو إلى ثقافة التسامح نشأ طفل متسامح ويقبل الأخر وإذا كانت بيئة يسودها العنف والكراهية أكتسب الطفل هذه الصفات وترعرعت معه ليصبح إنسان عنيف وقد يتحول إلى إرهابي يمارس ما كان يشاهده فى صغره، فالطفل يتعلم بالملاحظة والخبرة الشخصية ولا ينفذ كل ما يقال من حوله، لأنه كائن لديه كافة القدرات العقلية التى تجعله يميز ما يحدث حوله ويكتسب من البيئة التى تحيط به كافة الصفات والأفعال التى يراها فى غيره من البشر حتى وإن لم يطلب منه أحد فعل ذلك.

والبيئة التى تحيط بالشخص لها تأثير كبير على تبني الصفات التي يكتسبها الطفل، فبالنظر إلى المتطرفين فكريًا أو دينيًا نجد أنهم خرجوا من بيئة قاسية عانوا فيها من الإقصاء وغلب عليها التعصب وعدم تقبل الأخر دينيًا أو طبقيًا، بينما نجد العكس مع من يتمتعوا بقدر كبير من التسامح وسعة الخلق فنجد أنهم خرجوا من بيت متسامح تربوا فيه على المحبة والتعبير عن النفس وزرعوا بداخله الرحمة من خلال تعاملهم السمح معه.

ودور البيئة لا يقتصر فقط فى الأم أو الأسرة أو المدرسة وإنما يمتد ليشمل وسائل الإعلام والسوشيال ميديا وكل ما يراه الطفل، لان كل ما يراه يؤثر فيه ويترك طابع وذكرى عنده يتحلى بأجملها ويكتسب سيئها ليتحول مثلها يومًأ من الأيام، لذلك فإنه يجب أن يتم انتقاء ما يشاهده الطفل فى وسائل الإعلام والتواصل والإنترنت.

وتختلف درجة تأثير كل المؤثرات السابقة على الطفل ولكن يبقى دور الأسرة أشدهم وأكثرهم تأثيرًا على الطفل لأنها تتعهد تربيته منذ صغره كما أن إحتياج الطفل لوالديه ومحبته لهم تجعله متأثرًا بهم أكثر من أى شخص أخر، وهذا الأمر لا يقلل من قيمة تأثير المؤثرات السابقة لأن كل مرحلة وكل مؤسسة يتعامل معها الطفل فى البيئة المحيطة، لها تأثيرها الذي لا يجب أن يتم تجاهله سواء كانت المدرسة أو الجامعة أوالنادي أو البيئة المحيطة بشكل عام.

ويجب على كل أم أن تقوم بتربية أبنها بشكل سليم على ثقافة التسامح مع الأخر وأن تتابع طفلها جيدًا حتى تضمن عدم تأثير البيئة المحيطة عليه وعلى الصفات الجيدة التى أكتسبها من أسرته، وفى حالة شعورها بتغيرات مفاجئة طرأت على سلوكيات الطفل أو تغير فى أخلاقياته، فيجب عليها أن تقوم بمحاولة إصلاحه وإعادته مرة أخرى إلى ما تربى عليه من قيم وتسامح وأخلاق سليمة.

ولكي تستطيع الأم أن تقوم بإصلاح السلوكيات السلبية التى اكتسبها الطفل من البيئة المحيطة أو المجتمع أو الميديا فعليها أن تبادر منذ صغره ببناء علاقة طيبة معه تقوم على الثقة المتباجلة والتواصل المستمر والتعامل معه بمبدأ الصطيق، حتى يعتاد الطفل على البوح بكل أسراره وكل ما يمر به من مشكلات لوالدته، ولأن الأم هي المؤثر الأكبر فى حياة أبنها فبإمكان كل أم أن تصلح سلوكيات أبنها بسهوله من خلال الاستماع له وسؤاله عن أسباب تغيره المفاجئ، ونجاح أو فشل الأم في عملية الإصلاح يرجع إلى مدى مصداقية العلاقة بينها وبين طفلها، لذلك يجب أن تحرص كل أم على تحسين علاقتها مع طفلها حتى تتمكن من حمايته وشجب أي سئ يحوم حوله، وتعليمه كل ما هو جيد ليس فقط فى نشر ثقافة التسامح ولكن فى كافة الأمور الأخرى، ليصبح عضو نافع لمجتمعه ووطنه والعالم الذي يعيش فيه.




  • Share

    • 139
    • 588

    Submit your articles

    Submit your articles now to Orrec.