الببلومانيا و البيبلوثيرابي .. الكتاب داء و دواء

كانت القراءة بالنسبة للعبيد من أصل أفريقي الذين يعيشون فى أمريكا تعنى الحرية.. فلم يكن يسمح للعبيد أن يتعلموا، وذلك خوفا أن قدرتهم على القراءة والتعلم والتثقف يجعلهم يحلموا بالحرية، فكانوا يعاقبون أي عبد يجدوا معه كتابا أو يحاول أن يتعلم القراءة... ولكن كل ذلك لم يجعلهم يستسلموا فهناك من ناضلوا لتعلم القراءة والحصول على الحرية. فكان " توماس جونز" يدفع لطفل أخر ستة سنتات في الأسبوع ليعلمه القراءة. كما بدأ " سيللا مارتن" بهجاء الكلمات على اللافتات والإشارات. أما "اولوداه اكويانو" الذي هاجمه الغرباء وقاموا بخطفه وباعوه لضابط بحري كي يقوم بخدمته، رأي سيده وهم يقرأون، فطلب من أحد أصدقائه تعليمه القراءة، وكان يستثمر أوقات فراغه في أعمال أخرى ليصبح حرا. وبعد مدة حقق ما أراده وأصبح حرا ورحل إلى إنجلترا، ثم قام بتأليف كتاب يحكى فيه قصة حياته كي يخبر الناس جميعا بمساوئ العبودية ويكون سببا في الغاء الرق.

و لكن هل تعلم أن هناك من يقوم بسرقة الكتب دون أن يشعر بالذنب، وهناك أيضا من يحب الكتب بجنون فيجعل من حساءا لتكون وليمة له ولأصحابه.. وهناك من يعاني من مرض عصيب ويحتاج إلى الدعم والمساندة وقد يجد فى الكتاب حلا لما فيه. هذا ما سنتعرف عليه في السطور القادمة.

الببلومانيا

الببلومانيا هي حالة متطرفة من حب الكتب الشديد أو هوس الكتب. يمكن أن تبدأ الأعراض منذ الطفولة أو المراهقة ويظهر ذلك فى شعور السعادة الذي ينتاب الشخص عند روءيته لأى كتاب، فيصبح الشخص محب لامتلاك الكتب بمختلف أنواعها وقراءة الكثيرمنها. وكل ذلك قد يبدو طبيعي ولكن الأمر يتطور ليصبح الشخص عنده رغبة ملحة في تجميع أكبر قدر ممكن من الكتب حتى لو لم يستطيع قراءتها فى الوقت الحالي ولكن على افتراض أنه سيستفيد منها منها يوماً ما، بل أيضا يقوم بشراء عدة نسخ لنفس الكتاب. قد يعتقد البعض أن الببلومانيا هى حالة ايجابية وليست حالة مرضية. ولكن فى الواقع قد تطور احالة لأكثر من ذلك.

فإن بعض من يعاني من الببلومانيا يستطيع أن يعرف مؤلف الكتاب إذا اختلف فيه، بل يمكنه أيضا معرفة عمر الكتاب من خلال لمس ورق الكتاب. و إذا تطورت الحالة لأكثر من ذلك فمن الممكن للمصاب بالببلومانيا أن يقوم بسرقة الكتب وهذا المرض هو حالة متطرفة من الببلومانيا تسمي بالـ "بيبلوكليبتومانيا" ومعنى ذلك أن المصاب بهذه المتلازمة يقوم بسرقة الكتب دون أن يشعر بالذنب. كما أنه هناك حالات النادرة من هذه المتلازمة التي تجعل المصاب يقوم بأكل الكتب!!

و ذكر التاريخ أن هناك من عانى من هذه الحالة على مر الزمان مثل الشاعر اليوناني "يوريبيديز" في القرن الخامس منه قبل الميلاد، و"ابن الملقن" الذي أصابه الجنون عند فقد كتبه، والشاعر العالمي "بوريس باسترناك".

وقدم الدكتور نورمان وينر ورقة بحثية عام 1966، يقول فيها «على الرغم من أن شغف الكتب مرض إلا أن القليل منهم يبدون رغبة في الحصول على علاج، نظرا لكونه سلوك مرغوب عند البعض».

و نرى في في رواية دون كيشوت للمؤلف سارفانتس قصة نبيل يُدعى «كيبكزادا» يعيش في مقاطعة اسبانية تدعى «لامانش»، حيث كان محبا لكتب الفروسية الذي جعله يعتقد أنه فارس. فقام «كيكزادابارتداء ملابس الفرسان وامتطى حصانه وسمى نفسه «دون كيشوت» فكان يعتقد أنه فارس حقيقي نصر الخير ومحاربة الشر لأن هذا ما يفعله الفرسان، وقادته حالته إلى محاربة خائر فادحة. وكانت الحالة التي مر بها دون كيشوت في الرواية هي «ببلومانيا».

البيبلوثيرابي

كما يمكن أن حب الكتب أن يكون داء.. فأيضا الكتاب يمكنه أن يكون دواء.. فهناك ما يسمى بــ "البيبلوثيرابى" وهى تعني العلاج بالقراءة أو القراءة العلاجية. وكلمة "البيبليوثيرابي" تتكون من مقطعين فالمقطع الأول يعني المكتبة والمقطع الثاني يعني العلاج، والمعنى الكامل للكلمة هو العلاج الذي يتم في المكتبة.

أما العلاج بالقراءة فهو يرجع إلى قدماء المصريين، فقد وجدوا أن القراءة لها تأثير كبير في العلاج، فكان يكتب على مكتبات في الكرنك "هنا بيت علاج النفس". كماأن هناك قصص عديدة عن التداوي بالشعر والقصة في التراث العربي. وفي المستشفيات في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في بريطانيا وفرنسا وألمانيا كان العلاج بالقراءة معروفا ومستخدما. أما أول أمينة مكتبة قدمت فكرة العلاج بالقراءة كانت "كاتلين جونز" في ويفرلي في ماساشوستس، وجعلت من البيبلوثيرابي فرعاً من فروع علم المكتبات في عام 1904م. وخلال الحرب العالمية الأولى تم اعداد مكتبات في المستشفيات العسكرية.

الفكرة في العلاج بالقراءة يرجع انك تقرأ عن معاناة شخص من حالة مرضية خطيرة فيجد من يشاركه معاناته ويعطيه الدافع لتخطي المرض وذلك لأن المريض يحتاج إلى سند ودعم حقيقى. فهناك كتب تحكي قصص حقيقية فتجد فيها السند والدعم "الرحلة رقم 811" للكاتبة مثل هويدا حافظ، فقصتها عندما تعلم أن الطائرة التي تقلها رقمها "811"، وهو كان رقم غرفتها في المستشفي التي قضت فيها رحلة علاجها من مرض السرطان. كما قدما الباحثتين (إلا برثود) و(سوزان الدركن) في جامعة كامبردج كتاب حمل أسم "العلاج بالرواية من الهجر إلي فقدان الشهية ٧٥١ كتابا لعلاج كل ما تشكو منه" في طبعته الامريكية فيما كان اسمه في طبعته الانجليزية "العلاج بالرواية:العلاج الأدبي من الألف إلي الياء" وهو يعرض الروايات التي يمكن قرائتها لعلاج مرض ما. فمثلا رواية البؤساء لفكتور هوجو ينصح بها لمن يعانى من أنفلونزا حادة.، أما اذا كنت تعاني من السمنة فيمكنك قراءة الصرخة الآتية من بعيد لـ ريتشارد شريدان، أما آلام الأسنان فينصح بقراة رواية آنا كارنينا لتولستوي، وللتغلب على الأرق فينصح بقراءة اللاطمأنينة لـ فيرناندو بيسوا.




  • Share

    • 417
    • 1,016