التكنولوجيا الحديثة بين خيال الأمس وواقع اليوم

في فترة نهاية الثمانينات كنت مجرد طفل لا يتجاوز الثامنة من عمره واذكر أنه كان يعرض في التلفاز في تلك الفترة كرتون رسوم متحركة مشوق للغاية يحمل أسم (اسألوا لبيبة) يحمل الكثير من الفوائد والمعلومات على عكس رسوم الكرتون في وقتنا الحالي والتي تخلو في مجملها من أي معنى أو دروس وعبر قد يستفيد منها الطفل الصغير باستثناء الخيال المبالغ فيه والذي لا يمت للواقع بصلة.

 التكنولوجيا الحديثة بين خيال الأمس وواقع اليوم

عموما فقد كان في ذلك المسلسل العديد من الشخصيات لا يحضرني اسمها وما كان يلفت نظري دائما هو أن أحد تلك الشخصيات كان يتواصل مع الأشخاص الآخرين بشكل مرئي (صوت وصورة) عبر ساعة يده وبمجرد الضغط على زر في الساعة تتحول الساعة إلى شاشة صغيرة تظهر فيها صورة الشخص المتصل، وأذكر أنني كلما رأيت تلك الساعة العجيبة اسأل نفسي هل يا ترى سنرى مثل هذه التكنولوجيا في المستقبل القريب، وكنت في ذاك الوقت استبعد هذه الفكرة تماما وأرى أن هذا الأمر مجرد خيال محض من المستحيل تنفيذه مستقبلا.

كنا نجتمع (كامل العائلة) ونجلس أمام التلفاز القديم بحجمه التقليدي القديم و وزنه الثقيل وفي لحظات الانسجام مع أحداث ذاك المسلسل يحدث أن يصرخ أحد أخوتي الصغار محدثا ضوضاء لا تحتمل تفسد علينا متعة المشاهدة وتقطع علينا نشوة المراقبة، وأذكر أنني كنت أغضب بشدة وفي خضم ذلك الغضب يخطر ببالي تصور بريء أو تساؤل ساذج وهو: متى سيأتي يوم سيمتلك فيه كل شخص تلفازه الخاص به بحجم صغير جدا يستطيع أن يشاهد فيه ما يحلوا له قبل النوم من دون أن يقاطعه أو يزعجه أحد؟

كان عقلي الصغير يرسم في باطنه صورة لذلك المشهد المستقبلي محال التنفيذ (من وجهة نظري) فأتصور نفسي وأنا على فراش النوم متدثرا ببطانيتي وتلفازي الأسطوري الصغير بين يدي أشاهد فيه مسلسلات الكرتون المفضلة والمحبوبة لدي.

مرت بضع سنوات وأنا أستعيد تلك الصورة النمطية الغريبة كلما آويت إلى فراش النوم ثم نسيتها بعد ذلك تماما.

مرت السنوات وكبرنا وتخرجنا وكانت التكنولوجيا في تقدم مستمر بشكل سريع فدخلنا نهاية التسعينات في عصر الكمبيوتر والانترنت ثم تلاه عصر الهواتف النقالة التي انطلقت عجلة تطورها بشكل لافت وسريع جدا منذ العام 2005 ثم بدأت تغزو الأسواق هواتف نقالة بشاشات ذكية وكاميرات تستطيع بواسطتها مشاهدة وتصوير واستعادة ما يحلو لك، إلا أن تلك الشاشات لم تكن بدقة وجودة عاليتين غير أنها كانت تعتبر ثورة في عالم التكنولوجيا.

وأخيرا وليس آخرا حل علينا عصر جديد ظهرت فيه تكنولوجيا الهواتف النقالة ذات الجودة العالية بتقنية اللمس.

أذكر أني في إحدى المرات قمت بتحميل حلقة من مسلسل كنت أتابعه بشغف ولم يتسنى لي مشاهدته وعندما عدت من العمل وآويت إلى فراشي أمسكت بجهازي (الأسطوري) وتدثرت ببطانيتي وقمت بمشاهدة تلك الحلقة من جهازي الصغير الموضوع بين يدي بمتعة وهدوء منقطع النضير.

وفي هذه اللحظة بالذات عاد بي الزمن إلى الوراء سنين طويلة وكأني قد ركبت في آلة الزمن وتذكرت بالضبط تلك اللحظات التي راودتني وأنا طفل صغير عن ذلك الجهاز المستقبلي العجيب الذي سأحمله يوما بين يدي لأشاهد فيه ما يحلو لي دون أن يزعجني أحد وكيف كنت أؤمن وأعتقد في قرارة نفسي بأن تحقيق مثل هذا الأمر يعتبر مجرد حلم وضرب من الخيال، ولم أكن أتوقع في ذلك الوقت أن يأتي يوم ويتحقق فيه حلم طفولتي العجيب.

في الصباح الباكر توجهت إلى العمل وعلقت في زحمة سير شديدة بسيارتي وقد كنت في عجلة من أمري، وفي لحظات الانتظار الطويلة المملة والممزوجة بالغضب، فجأة طرأ في عقلي تساؤل غريب مر كلمح البصر وهو:

( متى سيأتي اليوم الذي يمتلك فيه كل شخص سيارة طائرة تغنيه عن زحام الشوارع ؟؟ )

ولم يقطع ذلك التساؤل ويقضي على ذلك الخيال في رأسي سوى بوق أحدى السيارات الواقفة خلفي يأمرني بالتحرك للأمام.

 

 

 

 

  • 84
  • 383
  • Share

Submit your articles

Submit your articles now to Orrec.

Share