الزخرفة النصية في أدب عادل سميح ، البحث عن سلمى وسبعة أسباب للحزن نموذجا

حين تستعد للتعاطي مع الجمال لابد أن تكون حذراً فالورد رغم جماله يجرح.. "نصيحة لمن يقرر الدخول لعالم عادل سميح " 


عالم مصنوع من مزج الخيال بشهد العسل، يجعلك على موعد مع الجمال الخالص ذاك الجمال الذي يعيدنا لطفولة الماء ولقصص الجدات وأساطير القدماء، فقط ادخل وسر بين أروقة ذاك الصرح لتري قوس قزح على البعد وتتمكن من لمسه وإغراق نفسك فيه وفي قمة النشوى ستسمع أصوات البلابل وتستنشق روائح الكولونيا والليلك والياسمين والقرنفل والفل وستمر من أمامك سندريلا وذات الرداء الأحمر وبياض الثلج وأقزامها السبعة وأميرها الحائر..
لم أكن أبالغ فيما مضي، فهو كاتب يجمع بين جمال المعاني وحلاوة الأسلوب وسحر البيان 
عادل سميح  السيد إبراهيم أديب مصري ولد بأواخر ستينات هذا القرن بمصر وعاش بها حتى المرحلة الثانوية ثم استكمل تعليمه بالجزائر ليتخرج في كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية جامعة الجزائر، بدرجة البكالوريوس ثم دبلوم الدراسات العليا في العلوم السياسية، وهو من أسره إعلامية، أبوه الأستاذ سميح  السيد إبراهيم عميد الجالية المصرية في الجزائر لأكثر من 42 عاماً وأحد مؤسسي المدرسة المصرية بالجزائر التي انشأها الزعيم الراحل جمال عبدالناصر عام 1962م،  وأخوه هو الصحفي الشاب هاني سميح بجريدة الإذاعة والتليفزيون الذي توفي عام  1995، وأخوه أيضا هو الصحفي محمد سميح نائب رئيس تحرير جريدة الأذاعة والتليفزيون ومدير تحرير جريدة الدستور حالبا، وأخوه الأستاذ سامح سميح خريج كلية الاعلام جامعة الجزائر والمسئول بمطار هيثرو بلندن  ، أما ابنه فهو الصحفي الواعد هاني عادل سميح بجريدة الدستور، وكي لا أطيل سأبدأ بقراءة سريعة لرحلة البحث عن سلمي...



مجموعة من القصاصات النثرية تشبة لعبة البازل " اجمعها لتربح.. ربحك متعة فكرية " يجمع هذه القطع خيط فكري واحد هو البحث عن سلمي، وسلمى هي رمز لكل نساء العالم  لذا فلا خصوصية لفضاء جسدها الأنثوي أو عمرها  أو زمانها أو مكانها، الخصوصية الوحيدة لكينونتها، وكأن الأديب يهمس لكل النساء: أنتِ سلمي، وسلمى اسم علم مؤنث عربي ومعناه الناجية الخالصة، وأظن أن اختياره لم يكن عفوياً بل مقصوداً فسلمي في كل مرة ستنجو وسلمي هي خلاصة الجمال والمثالية، وسلمى هي الأصالة والحداثة النار والنور..
الرواي هو الأديب، وهو الباحث، وهو النصف الموجود بالقصة، وهو من خلال ذلك يسجل غيرته على سلمي من دخول الغرباء، هو وحده يراها ويستطيع أن يتعامل مع هشاشتها بلطف وحنو 


تتغير شخصيات سلمي شكلاً لا مضموناً، فهي الجزائرية وهي الدمشقية وهي المصرية وهي السورية وهي المحملة بأوجاع السنين الهاربة من واقعها في رحلة بحث غامضة عن ضلعها المأخوذة منه، وهي الشخصية الرئيسية التي تلتقطها عدسة القارئ أما الراوي فرغم بطولته يتعمد البعد عن الأضواء من حين لآخر لترك كل المساحات لسلمي وقضاياها 


وكما يغير الكاتب بشخصية سلمي في محاولة لإثرائها يغير أماكن اللقاء.. المكتبة.. المقهي.. الشارع.. الشرفة، كلها أماكن تعيد القارئ للواقع، لأن سلمي ابنة الحياة، ومن خلال هذا التنوع يهمس الكاتب مرة أخرى: أنتِ مهما كنتِ من المحتمل أن تكوني سلمي وهذا ما يسمي بمناوشة العواطف، ويعكس هذا ذكاء الأديب 


الزمان مطلق وهذا يمنح الأمر إنطلاقة لا محدودة، فهو يتحرك بالثلاثة أزمنة ويجمعها معا، ففي لحظة تجدك بالماضي وقبل مرور هذه اللحظة تستيقظ على الحاضر ثم تقفز للمستقبل في محاولة لتوقع ما سيحدث، يمارس الأديب من خلاله شغفه بالترحال، وهو بذلك يمنح الخلود لكتاباته التي تصلح للآن والأمس وللغد  ، كما أن لجوء الكاتب لإنكسار الترتيب السردي للأحداث  أحدث ربكة محببة للقارئ جعله يعيد قراءة أجزاء محددة مرات ومرات  ، فلا يجد رتابة في القراءة 


النهايات مبهرة ومتعمدة وفي أحيانا كثيرة صادمة، وهذا توظيف جيد من جهة الأديب، فكي لا يكون هناك رجعة لهذه السلمي أو تلك جاءت النهايات صادمة، فسلمى هناك تركت الراوي بعد أن أغلقت أبواب الرجعة حين أخبرته بما حدث لأختها على يد رجل من بلده وكأنها تُحمله خطيئة ذبح سلمي، وسلمي الأخرى تركت ابن عمها الذي احبها لتتزوج برجل آخر فتغلق باباً آخر، وسلمي التي أحبت شاعراً قديماً في زمن ماضٍ.. وغيرها وغيرها.. كلهن يغلقن الباب من أجل ولادة سلمى أخري، في حبكة قصصية متقنة 


اللغة جاءت مزيج بين الشعر والنثر لا تعقيد فيها ولا مصطلحات غامضة تنوعت بين الحوار والسرد، تشعرالقارئ أنها تنساب من فم الكاتب لتسقط في قلب المتلقي قبل ذهنه بيسر وسلاسة  ، وهذا لا يتناقض مع لجوء الأديب للإيحاء والتكثيف أو الاقتصاد اللغوي، وما نتج عنه من ترميز ومفارقات وتلميح واقتضاب وحذف وتوتر وانزياح وشعرية، وكل هذا يتناسب مع المساحة المكانية التي وضع فيها قصاصاته والمساحة الزمانية التي يستغرقها حدثه، فتكثيف هذه القصاصات لم تمنح الكاتب مساحة للتراخي اللغوي في التعبير عن الفكرة، لذا وجدناه معتمداً على التكثيف الشديد في تعبيره 
 

كما زين هذه اللغة باستخدام التناص من شعر قديم وأغان حديثة وقصص تراثية عن سلمي واستحضار روح شهرزاد في ابهار شهريار،  وفي هذا انعكاس لسعة ثقافة الكاتب 


وحتي بعد الانتهاء من سلمي يجد القارئ نفسه لا مكتفيا منها، فهو يريد المزيد والمزيد، وكأن الكاتب يقرأ ما جال بذهن القارئ فلا يحرمه من تلك المتعة، فالقصص لم تنته ومازال البحث مستمرا عن سلمي، إن عدم العثور على سلمى هذه المرة يوارب الباب لرحلة بحث أخرى وهو وعد ضمني من الأديب بتكرار المحاولة وبكتابة المزيد من رحلات البحث عن سلمي 


وبسبب عدم العثور على سلمي تنبت سبعة أسباب للحزن تقابلها سبعة أسباب للفرح الذي يشع من قوس قزح  ، فكل لون في قاموس الكاتب هو مذاق جديد للسعادة، وهذه السبعة كأيام الأسبوع السبعة، وأيام الخلق الستة وماتلاها من استواء الخالق على عرشه باليوم السابع، وعدد السموات والأرضين، وكعدد جمرات أبليس، فهل تُراها تكفي تلك السبعة لإصابة الوجع ؟!!
يبدو أنها تكفي !! 


خيط آخر ينظم فيه الكاتب سبع خرزات كأسباب الحزن، ففي السابعة يزورك الحزن، وفي السابعة تكتمل في رحم أمك لتولد صارخا باكياً، وخلال سبعة ثواني تكتمل دورة تكوين دمعك ليهطل على خدك 
براعة اختيار الرقم لا متناهية ؛ فهذا الرقم يحمل عدة مضامين  ، ومن العنوان يستشعر القارئ خطورة ما هو مقدم عليه 
على نقيض البحث عن سلمي التي لم يحدد الكاتب هويتها متعمداً لخدمة فكرته نجد أن مقطع من سبعة أسباب للحزن كانت لها بطلة محددة، وهي بطلة كانت لها أسبقية البحث عن الكاتب، فهي من وجدته وهي من اقتحمت خلوته وهي من شرخت جدار صمته واخرجته من صومعة الاعتكاف 


"ماذا يحدث لرجل أربعيني يشعر بقسوة مقصلة العمر التي تطارده أمام امرأة ربيعية تشتعل أنوثة وذكاءً وحيوية وعاطفة ملتهبة؟؟" 

سؤال يختصر نقطة البداية ويمهد للدخول لقلب الحدث، الذي يتسم بالسلاسة والإنسيابية، تقابل البطلة الكاتب وتُسقط أمطار حزنها عليه وبنهاية اللقاء يحتفظ بالمناديل التي بللتها دموعها لتتحقق معها أسطورة من التراث الفلكولوري المصري الذي يجعل المناديل رمزاً للفراق بين المحبين، ويدخل الكاتب مرغماً في قصتها ليجد نفسه غارقاً في تلك الأنهار وليصحب القارئ في رحلة من اللوحات البديعة من الألوان والأصوات والسحر المغلفة بالحزن النبيل لقصة تلك البطلة،  نصل للنهاية سريعاً وكأن الكاتب يأبى أن ينهك القارئ، وهي نهاية تعيدنا للعنوان 


"أسكب قصتنا على الورق وكأن الأمر تماماً مثل مراسم تلقي العزاء بعد رحيل فقيد حين يتجمع القريب والبعيد في سرادق كبير" 

إن الكاتب يرسم لوحة جدارية رائعة لقارئه مبيننا فيها مراسم شروعه في الكتابة، وهي مراسم حزينة يبث من خلالها وجعه الذي يتناوله بطريقة جديدة حين يصنع لها تمثالاً مرمرياً لرب الحسن والجمال فينوس فهي.. حزينة كالبنفسج منكسرة كسنبلة قمح مرهقة كزهرة عباد شمس خائفة كورقة خريف منيرة الأرجاء.. هي مغارة كنوز لا متناهية..
الراوي أيضا هو الكاتب ومعه البطلة التي تقتحم عالم الكاتب وتحكي قصتها في لغة سردية بديعة، بينما الكاتب يلجأ للوصف، فهو مستمع جيد للغاية له رؤية ثاقبة لا ينسي التفاصيل مهما صغرت وهو متساؤل ثائر بذهنة غابات خصبة تمنح القارئ إثارة كافية لتناول ما يقدمه له بنهم شديد 


على عكس البحث عن سلمي فزمن مقاطعه الحزينة محدد بدخول البطلة لعالمه وخروجها منه وما بين ذلك من أحداث تحمل أزماناً متنوعة بين ما تحكيه البطلة من ماض، وهنا يلجأ الكاتب أحيانا لكسر الترتيب الزمني للأحداث في محاولة لإنعاش ذهن القارئ فيما يعرف بتقنية الفلاش باك، فهو أحيانا يجعلنا بالزمن الحاضر ثم يفتح ثقبا للماضي ويبدأ بسرد أحداثه، وعلى عكس سلمى أيضا النهاية محددة ومنطقية وحتى إن لم يصرح بها الكاتب فهو يمنح القارئ مفاتيح الوصول إليها بسهولة


يلجأ الكاتب لاستخدام تقنية التشذير، ويعني به  التقطيع والتجزئ والتفصيل والتركيز والتوليد، مع استعمال الفواصل والمقاطع والفقرات  فهو ينغمس في عوالم حلمية وفانطاستيكية ، كما يلجأ لتقنية الإنزياح، وهو تقنية تكثيفية في الشكل أو الموضوع، في الشكل يتمثل في التقديم والتأخير، وفي الموضوع عن طريق الخروج عن مألوف العادات والتقاليد
كما أن الكاتب كان مشغولاً  بفضاء الجسد الانثوي بموضوعاته المتشعبة، وهو حيز اشتغل عليه الروائيون والقاصون كثيراً، لذلك شكل هذا الفضاء بعداً محورياً هاماً في هذه المعزوفة  . 


وهذه القصة تحمل بعداً إنسانياً  ، بما تناسب مع  الكثافة شعورية الموجودة بالعمل الأدبي ؛ فهي امرأة معذبة على شفا الإنهيار من ظلم وقع عليها 
وما بين البحث عن سلمى وسبعة أسباب للحزن يحصل القارئ على متعته الفكرية والشعورية التي تخفف عنه حرور هذه الحياة 
نتمنى للكاتب مزيداً من التميز وللقارئ مزيداً من المتعة وللباحث فرصة للتنقيب داخل معابد هذا الجمال 
 
المرجع: 
الموقع الشخصي للمؤلف على صفحة الفيس بوك






































  • Share

    • 355
    • 704

    Submit your articles

    Submit your articles now to Orrec.