السفر والترحال: ما هي أنواعه ودوافعه ومنافعه وكيف تعد نفسك للسفر بطريقة صحيحة؟


لا تجد إنساناً على وجه الأرض إلا ويتمنى السفر والترحال إلى بلاد أخرى، فحب استكشاف الأماكن الجديدة وكسر الروتين اليومي الممل هو شعور طبيعي يشترك فيه كل الناس مع اختلاف بسيط في الدوافع والأسباب التي تحث الناس على السفر ومغادرة الوطن الأم.

فقد يسافر الشخص بحثا عن لقمة العيش نظرا لظروف قاهرة في بلده وقد يسافر الشخص في طلب العلم والمعرفة أو للسياحة أو قد يكون مضطرا ومرغما على ترك بلاده لأسباب سياسية أو اضطهاد وكلها أسباب مشروعة ودوافع حقيقية تراود الإنسان وتحثه على ترك وطنه والانتقال إلى مكان آخر.


الفرق بين سفر الأمس واليوم

يتفق الجميع على أن وسائل النقل الحديثة قد اختصرت المسافات والأبعاد وطوت الزمن وأصبح الإنسان خلال ساعات معدودة يستطيع أن يتنقل من مكان إلى خر بكل سهوله ويسر على عكس ما كان في الماضي.

ولكن مع هذا التطور الكبير والسرعة الهائلة في التنقل إلا أن هذا الأمر لا يبدو مثمرا إلى حد كبير، ففي الماضي كان الإنسان يقضي الشهور الطويلة في الطريق إلى وجهته المحددة وخلال تلك المدة يتسنى له المرور بأكثر من مكان والمكوث في أكثر من ديار وتتاح له فرصة للسياحة وكسب المعرفة والإطلاع على عادات وتقاليد الشعوب وأساليب حياتهم، فلا يصل إلى وجهته النهائية إلا بالمرور على مئات بل ربما آلاف الوجهات الأخرى التي تنعكس عليه إيجابا وتكسبه العديد من المهارات والخبرات وتبصره بأمور كان يجهلها قبل سفره، وهذه الميزة الإيجابية انعدمت في عالمنا المعاصر اليوم، وضاعت على سلالم وأعتاب الطائرات صعودا ونزولاً.


لا بديل عن الوطن

مهما سافر الإنسان وتنقل في هذه الدنيا من مكان إلى آخر فإن الشوق إلى وطنه يضل يطارده ولوعة الفراق تكويه بنارها ليلا ونهارا، فالإنسان المقيم في دياره يتمنى السفر ويحسد الآخرين عليه ولكن بمجرد أن تتاح له فرصة ويسافر فإنه سرعان ما يشعر بالألم والمرارة ويقع فريسة سهلة لشباك الشوق التي تجذبه بشدة إلى وطنه.

كما أن السفر أو الهجرة له عدد كبير من الدوافع والأسباب التي تجعل الإنسان يفكر في مغادرة وطنه وقد تكون هذه الأسباب إما اختيارية أو إجبارية وبالإمكان سردها كما يلي:



أولا : الظروف المعيشية الصعبة

من أحد أهم أسباب الهجرة ودوافعها الرئيسية المباشرة هي الحالة المعيشية الصعبة التي يعانيها المهاجر في بلاده والمتمثلة بانعدام فرص العمل وقلة الموارد وجفاف الأرض الزراعية وتصحرها مما يدفع الكثير إلى التفكير في خيار الوطن البديل فيشدون الرحال إليه بحثا عن حياة أفضل وفرص أكثر للبقاء ربما تكون قد قلت أو كادت تنعدم في بلدانهم الأصلية،ويسمى هذا النوع بالهجرة الاختيارية.


ثانيا : القمع والاضطهاد

يعاني الكثير من الناس القهر والظلم في بلدانهم الأصلية وتصبح حياتهم مهدده بالخطر فلا يجد الشخص أمامه سوى خيارين أحلاهما مر وهو أن يبقى في بلاده فيتعرض للحبس أو القتل والتعذيب أو أن يهاجر مكرها إلى بلاد أخرى يأمن فيها على حياته ويتخلص من الظلم الذي يلاحقه ورغم هرجته تلك وابتعاده عن وطنه إلا أن لسان حاله يبقى يردد بلادي وإنجارت علي عزيزة ، وهذا ما يعرف بالهجرة الاضطرارية.


ثالثا : طلب العلم

إن طلب العلم والسعي في تحصيله هو أحد مسببات الهجرة منذ القدم، ففي السابق كانت هناك بلدان وأمم تمجد العلم وأصبحت عبر التاريخ منارات له تشع علما وثقافة مما يجعل الكثير من طلبة العلم يهاجرون من بلدانهم البعيدة إلى تلك المراكز العلمية المتحضرة ينهلون من مناهلها ويردون من نبع معارفها فيتشبعون بشتى صنوف العلم والمعرفة ثم يعودون إلى بلدانهم يحملون مشاعل الهداية والنور إلى شعوبهم.

وفي وقتنا الحاضر يهاجر كثير من طلبة العلم إلى بلدان أخرى أكثر تقدما في مجال العلوم والمعارف بسبب انعدامها في بلدانهم أو افتقارها إلى الحداثة وهذا ما يعرف بهجرة العقول.


رابعا : السياحة

وهذا النوع من الهجرة قليل الوجود على الواقع ويقتصر على الفئات الثرية في المجتمعات الغنية ومع توفر الإمكانات المادية يشد كثير من الأثرياء الرحال إلى بلدان أخرى تتميز بطبيعتها الخلابة أو ماضيها وتراثها القديم فيقضون هناك ما يشبه فترة النقاهة والتي غالبا ما تكون في أشهر الصيف والإجازات.


خامسا : السفر من أجل العلاج

قد يضطر كثير من الناس إلى الهجرة بحثا عن علاج والدواء لأمراض معينة يعانون منها ولا يتوفر علاجها في بلدانهم الأصلية وهو ما يعرف حديثا بالسياحة العلاجية.


هجرة الشعائر

يهاجر الكثير من البشر على مر التاريخ إلى أماكن محددة في العالم لتأدية طقوس دينية معينة لفترة محددة من الزمن ثم يعودون إلى بلدانهم وهذا ما يسمى بالهجرة الدينية وهي موجودة لدى كل الطوائف والنحل حول العالم.



فن إدارة السفر:

من خلال الدوافع السالفة الذكر للسفر فإن الإنسان قد يتعرض لأحدها يوما فيجد نفسه مضطرا إلى السفر وترك وطنه، ومن المهم هنا أن يكون المسافر أو من هو على وشك الهجرة أن يتقيد ويلتزم ببعض الأمور التي قد تساعده في تخفيف وتسهيل صعوبة ومشقة السفر خصوصا في وقتنا المعاصر وما يصاحبه من تعقيدات وإجراءات لم تكن موجودة في الماضي حيث كان الإنسان يسافر بكل حرية وبدون أي قيود متى شاء وكيفما شاء.


وقبل السفر ومغادره ارض الوطن يحسن بالإنسان مراعاة الأمور التالية:

أولا: يجب الإطلاع على الوجهة المراد السفر إليها والسعي من أجل الحصول على كل المعلومات حولها فلا يغادر الإنسان وطنه الأم إلا وقد أحاط بكل تفاصيل وجهته الجغرافية الجديدة بدءا بالإجراءات الرسمية والقانونية لتلك الوجهة وانتهاء بتفاصيل المعيشة اليومية لشعوب تلك المنطقة وعاداتهم وتقاليدهم وقد أصبح الأمر متاح للغاية من خلال الأدلة السياحية ومكاتب السفر أو حتى الانترنت وسؤال الأشخاص الذين قد سبق وسافروا إلى تلك الوجهة وأخذ كامل المعلومات والتفاصيل منهم، ومن الخطأ الفادح أن يؤجل الإنسان هذا الأمر فلسان حل بعض المسافرين يقول : عندما نصل إلى هناك سنعرف كل شي، وهذا الأمر يصعب إلى حد كبير مهمة المسافر ويضع العراقيل في طريقة حيث أنه من الأجدى والأنفع له أن يكون على معرفة سابقة وكافية بالوجهة المراد السفر إليها.


ثانيا: اصطحاب مرافق

من الأمور المهمة التي يجب على الإنسان مراعاتها عند السفر هو أن لا يسافر الشخص وحيدا ويحاول قدر المستطاع أن يصطحب معه أحد أفراد أسرته على الأقل أو أحد أصدقائه ومعارفه خصوصا من قد سبق لهم السفر، فالصاحب في السفر خير ونيس وأفضل جليس قد يساعدك في كثير من الأمور التي تواجهها في وجهتك الجديدة ويكون بمثابة دعم معنوي ونفسي كبير يخفف من ألم ومعاناة ومشقة السفر.


ثالثا: تحديد الغاية والهدف من السفر بدقة

عندما يقرر الإنسان السفر فلا بد أنه قد فعل ذلك استجابة لأحد الدوافع الملحة التي تحثه على السفر وعليه فلا بد للإنسان أن يحدد الغرض الرئيسي من رحله سفرة وما هو الهدف منها والأمور المراد تحقيقها بهذا السفر، ويحاول جاهدا أن لا يفسح مجال للأمور الثانوية كي تشوش عليه هدفه الرئيسي وتمنعه من تحقيقه على الوجه الأكمل.

فمثلا قد يكون الدافع الرئيسي لأحد المسافرين هو الدراسة ولكن بمجرد الوصول إلى وجهته تبدأ بعض الأمور الثانوية تتسلل وتنعكس سلبا على هدفه الرئيسي فبعض الطلاب يجدها فرصة للعمل وكسب بعض النقود وآخرون يهتمون بالنزهة والسهر والمتعة في تلك البلاد وينسون دراستهم وتحصيلهم العلمي الذي من أجله تركوا أوطانهم.


رابعا: المفكرة والقلم

أن من أفضل الوسائل المعينة على ترتيب أمور السفر هو تدوينها وتبويبها باستخدام مفكرة وقلم من ثم يقوم الإنسان باصطحابه معه أثناء السفر وتحوي هذه المفكرة على المعلومات الأساسية عن الوجهة المقصودة وعناوينها وأرقام هواتفها إضافة إلى ترتيب بعض الأولويات والأمور المراد القيام بها هناك وتكون هذه المفكرة بمثابة الدليل والمرشد السياحي والمرجع الأساسي الذي تم إعداده خصيصا من أجل رحلة السفر ومن خلاله يسهل الرجوع إلى أي معلومات ومراجعة أي أولويات مدونة هنا أو هناك تساهم في حصر مهمة السفر والتركيز عليها ومنع الأمور الجانبية والأهداف الثانوية من التسلل وإفساد الهدف الأساسي من السفر.


خامسا: اللغة

عندما يسافر الإنسان إلى وجهة يتحدث أهلها نفس لغته فإن الأمور تكون أسهل بكثير من السفر إلى بلاد لا يتحدث بلغة أهلها، ومن هنا كان لزاما على المسافر أن يحتاط لهذا الأمر وأن يحاول جاهدا اكتساب بعض أساسيات تلك اللغة ومفرداتها ولو اضطره الأمر إلى تدوينها في مفكرته وقراءاتها وقت الحاجة إليها


سادسا: حقيبة السفر

يعتبر تجهيز حقيبة السفر من الأمور الممتعة لدى بعض المسافرين حيث يتفننون في اختيار المواد والأدوات التي يرغبون باصطحابها معهم ولكن في خضم تلك المتعة قد ينسون بعض الأغراض الأساسية أو قد يقومون بحمل أغراض لا فائدة منها، وعليه فمن المهم إلقاء نظرة سريعة على بعض الأغراض والأدوات المفيد جدا للمسافر اصطحابها معه أثناء سفره وهي على النحو التالي :

- المفكرة والقلم : وهذا أمر ضروري لتدوين كل تفاصيل الرحلة كما سبق توضيحه.

- الملابس المناسبة : حيث ويجب أن يكون الإنسان على علم سابق بمناخ البلاد المراد السفر إليها فإن كانت باردة اصطحب معه ملابس ثقيلة وإن كانت حارة استبدلها ببعض الملابس الخفيفة.

- الأدوات الشخصية : قد يكون الإنسان متعودا على استخدام بعض الأدوات أو المواد الشخصية بشكل يومي في بلاده وربما قد لا يجدها في بلاد السفر أو أن يجد أنواع أخرى لا تناسبه وهذه الأدوات مثل كريم الشعر أو البشرة والمشط والمرآة الصغيرة فهذه الأمور قد لا تبدوا مهمة للوهلة الأولى ولكن بمجرد وصولك إلى وجهتك النهائية تدرك مدى أهميتها خصوصا إذا لم تقم بأخذها معك.



من فوائد السفر:

أولا : معرفة معادن الناس

عندما يكون الإنسان في بيئته يعيش داخل محيطه الاجتماعي الطبيعي والمستقر بشكل مثالي لكنه لا يعرف عن طبيعة الناس من حوله إلى ما يراه أو يسمع عنه منهم وهناك الكثير من الناس ظاهرهم لا يشابه بواطنهم ولا يستطيع الشخص اكتشاف معادن الناس إلا بالخروج معهم في سفر ، فهناك فقط تنكشف الحجب وتبان الحقيقة ويتمايز الناس، فربما نحسن الظن بالكثير من حولنا ولكن مع أول صحبه لهم يبان ما وراء القناع وتنكشف الحقيقة فيظهر الشخص الأناني والمتكبر والكسول والنشيط والمؤثر الآخرين على نفسه


ثانيا : كسب المهارة والخبرة

بالسفر والتجوال في الأرض يتعرف الإنسان على حضارات جديدة وقيم ومبادئ متنوعة وشعوب جديدة فيكتسب منهم خبرات قد لا تكون موجودة في بلده فتضاف إلى مخزونة الفكري


ثالثا : الترويح عن النفس

إن النفس البشرية بطبيعتها ملولة ويؤثر فيها الروتين اليومي الثابت بشكل كبير، وعليه فقد يجد الإنسان فرصة للسفر في وقت فراغه يريح فيها عن جسده ويجدد نفسيته ويصفي أفكاره وذلك بالابتعاد عن البيئة المألوفة والانتقال إلى بيئة جديدة لبعض الوقت ثم يعود إلى بلاده وقد تجددت نفسيته وارتفعت معنوياتها ليمارس بعدها حياته بشكل طبيعي.





رابعاً وأخيرا: هجرة الأرواح

وهذا النوع من الهجرة غريب في معدنه فهو لا يخص الجسد على عكس بقية الأنواع السابقة من الهجرة، وهذا النوع حصري على النفس تهاجر فيه الأرواح المثالية إلى عوالم أخرى مع بقاء الجسد في مكانه الأصلي وبيئته الطبيعية.

خاتمة: السفر مليء بالفوائد وكما تتعدد مقاصده فكذلك تتعدد فوائده وقد يكون السفر اختيارياً وقد يكون إجبارياً وفي كلتا الحالتين عليك أن تخوض التجربة وأن تحصل منها على أقصى استفادة فحتما ستتغير نظرتك للحياة عن ما كانت عليه من قبل سفرك.




  • Share

    • 554
    • 4,603

    Submit your articles

    Submit your articles now to Orrec.