المرأة ومراثي الأسى فى الصعيد بين السينما والواقع

المرأة ومراثى الأسي فى الصعيد بين السينما والواقع

كلنا يشاهد سمات شخصية المرأة الصعيدية على شاشات السينما والتلفزيون ما بين جبروت ،وانكسار،جهل،وحكمة،خير،وشر،تتماوج شخصية المرأة حسب البيئة المحيطة،والظروف التى 

تدثرها.

نراها على الفطرة والخير فى البيئة الصالحة الصافية الخالية من الصراعات والدسائس، ونراها رمزاً للشر فى البيئة المكتظة بالمشاكل والصراعات،والخلاصة ان الشر الكامن فى المرأة يندفع مع شعورها بعدم الأمان،او تعرضها للقهر،او الفقد مثلما هو الحال فى قضايا الثأر.

فهل ما يقدم عن المرأة الصعيدية فى اعلامنا هو الصورة الحقيقية للمرأة الصعيدية ؟

ربما يحدث الكثير من المبالغات والمغالطات فى التقديم الإعلامى حسب خيال المؤلف وتصوير المخرج لما يتم فى صعيدنا ،الا ان تصوير مشاهد الحزن والأسى قد اقترب الإعلام من الحقيقة .

ففى قضايا الثأر تظل المرأة هى المحرك الرئيسى المحرض على الأخذ بالثأر.

تتولد قوى هائلة لدى المرأة حال اصرارها على زرع تلك النبتة فى صدور ابنائها اذا كان المقتول هو الزوج،او احد الإخوة ،او احد الأبناء ،ولا تهدأ ولا تستقر،الا بعد الأخذ بالثأر،وكأنها استعادت ما فقدت .

لذا عندما تريدون البحث عن حلول لقضية الثأر ،وسلسال الدم،عليكم بالمرأة 

يصل جبروت المرأة وضعفها فى هذه القضية الى حد معايرة الأبناء إن تخاذلوا فى الأخذ بالثأر

اما عن احزانها فحدث ولا حرج، امتلأت سجلات التراث من طرق تعبيرها عن الحزن،وسلوكياتها فى هذا الشأن، حتى ان فن العدودة الذى اوشك ان يندثر ،نظمته نساء الصعيد الاميات، اللاتى لا يقرأن ولا يفقهن شيئا سوى لغة الطبيعة المحيطة بهن حتى فى احلامهن،يفزعن من رؤية شئ له دلالة فى مفهومهم عن الموت والفراق ،يخضعن كل شئ لإنطباعتهن وتأويلاتهن التى توارثوها ،حتى نعقة الغراب لها وقع مفزع على قلوبهن

فتقول عن نعقة الغراب:

زعق الغراب يا امه 

شويت وراه طوبه

قاللى اصبرى يا خايبه

دى شقاوه مكتوبه

زعق الغراب يا امه 

شويت وراه حجر

قاللى اصبرى يا خايبه

دا وعد ومقدر

زعق الغراب يا امه

ورميت وراه قالب

قاللى اسكتى يا خايبه

دا اللى انكتب غالب

ولا تتوانى عن استنباط مشاعر المحيطين بها والحديث على السنتهم فى نظم المراثى.

تتحدث عن مشاعر الطفل الصغير عند موت والده فتقول:

قمرى وقع مني

قمري وقع مني

وابويا مات يا امه

يا مين يحملني (تقصد من الذى يتكفل به بعد موت والده)

كذلك فى حالة الموت قتلا فهناك طقوس خاصة جدا ،اذ تعتبر المراة انه ليس من حق احد التعبير عن وجده بالبكاء والنوح الا بعد الأخذ بالثأر، فتكتم حزنها وتحجب دمعتها ،الى ان يأتى اليوم الموعود، حتى وان جاء هذا اليوم بعد عشرات السنين،تفور الدماء، وتلتهب المواجيد،ويبدأ الإعلان عن موت فلان، ثم تنصب الجنازة المصاحبة برقصات خاصة فى بعض الأحيان ،كرقصة الطير المذبوح، تدور المرأة وهى تلطم خديها وتضع التوته الزرقاء على وجهها ،او تهيل التراب على رأسها، وتشق ثوبها،وتخلع نعلها،وتغمس ارجلها فى الطين.

وتختلف العدودة باختلاف الحال الذى كانت عليه واقعة الموت ،اذ يمكنها ان تنسج أبياتا تتناسب وتفاصيل المأساة وهذا النوع من العدودة ينتمى الى ما يقال عليه ارتجالا.

وتبقى المرأة فى الصعيد هى الأنثى التى تحمل بداخلها اسرار وتناقضات العالم من حولها

تبقى المراة فى الصعيد هى محط الأنظار، ومادة خصبة للتحليل والتخيل،ومحاولات فهم هذه التركيبة الغريبة التى شكلتها طبيعة البيئة التى تعيش فيها، والحديث عنها لا ينتهى 

بقلم /سحر محمود علي


  • Share

    • 175
    • 234