النضوج الفكري: هل هو مسألة وقت أم عوامل أخرى وكيف تحفز طفلك للنضوج فكرياُ؟



يمكن تشبيه مراحل النضوج الفكري لدى
الإنسان بعملية صعود أحد الجبال، فعندما تكون في مرحلة الطفولة أو المراهقة فأنت
تشبه إلى حد كبير شخص يعيش في أسفل سفح جبل، ترى مناظر محدودة ومشاهد متقاربة بحكم
موقعك الأدنى، ولكن كلما تقدم بك العمر ومرت السنين كلما صعدت في الجبل درجة ومع
كل صعود يظهر لك منظر جديد في الأفق لم تكن تراه أو تدرك وجودة عندما كنت مجرد
طفل صغير أو غلام يافع ومع استمرارك في الصعود تظهر أمامك مناظر جديدة ونواحي
عديدة وهكذا حتى تصل إلى قمة الجبل فيصبح لديك منظر فريد مكتمل الصورة من جميع
الاتجاهات والزوايا لا يراه من هم ما زالوا قابعين في أسفل الجبل، وهنا يظهر بجلاء
ما يسمى (بعد النظر) فكبار السن غالبا ما يمتلكون حكمة وتأني في اتخاذ القرارات
وهذا مرجعه بالأساس إلى الخبرات المكتسبة والمتراكمة لديهم مع مرور السنين.

نلاحظ أن المراهق أو من هو في
مرحلة عمرية مبكرة دائما ما يتخذ قرارات لحظية متسرعة وطائشة صادرة بشكل عفوي يظن
ويعتقد في قراره نفسه بأنها صواب ولا يوجد بديل عنها أو ما هو أفضل منها، فمثلا قد
يمر الطفل بمحل ألعاب فيقع بصره على لعبة ذات ألوان زاهية وأضواء باهرة مغرية
فيدفعه الشوق والرغبة الجامحة إلى السعي في سبيل الحصول عليها ولو اضطره الأمر إلى
البكاء، فالطفل في هذه المرحلة لا يرى ما وراء الأكمّة ولا يعلم عن هذه القطعة
البلاستيكية إلا ما وقعت عليه عيناه من ألوانها ا الزاهية البراقة وأضواءها المشعة
الجذابة، فلا يمتلك خبرة سابقة عنها أو عن ماهيتها ولا تجارب ماضية أو مواقف
مشابهة، وربما تجد أن أخوه الأكبر منه سنا يقول له تمهل، ربما نجد أفضل منها في
مكان آخر، فهذه اللعبة ينقصها كذا وكذا، هنا تعلم أن الأخ الأكبر يمتلك بعد نظر
وتجارب سابقة متراكمة أكثر مما يمتلكها الطفل الصغير المصر على شراء تلك اللعبة
بمجرد النظر إليها، وهنا نستطيع القول أن الأخ الأكبر يقبع في مكان أعلى بقليل عن
الطفل الصغير في جبل المعرفة ويرى ما لا يراه الطفل الصغير.

ولكن تلك الخبرات والتراكمات
والتجارب التي يمتلكها الأخ الأكبر ليست كافية بعد لكي يتخذ بموجبها قرارات مصيرية
بنفسه، فعندما تواجهه مشكلة ما أو أمر معقد فإن القرار السليم الذي يجب عليه
اتخاذه أولا هو أن يقوم باستشارة من هم أكبر منه سنا كوالده أو والدته بحكم موقعهم
العالي في جبل المعرفة فيشيرون عليه بالرأي الصحيح، وهذه المشورة المتوفرة لدى الوالدين
أو كبار السن تكون صادرة غالبا عن خبرات سابقة متراكمة عبر السنين.

وللتدليل على صحة ذلك من الواقع ما
عليك إلا أن تفكر في أمر ما أو قرار اتخذته قبل عدة سنوات من الآن، ستجد أنك
بالفعل كنت مجرد شخص غير متزن، طائش، متسرع، وستضحك كثيرا عند استرجاع بعض الأحداث
والمواقف من ماضيك القريب أو البعيد بعد أن تكتشف أن ذالك القرار أو التصرف المتخذ
من قبلك قبل عشر سنوات يفتقر إلى الرزانة والتأني والدراسة الكافية فلو أنه اُتخذ
اليوم وفي وضعك الفكري الحالي لكانت النتائج مختلفة تماما عن ما هي عليه.

لكن يبقى السؤال الجوهري، ما الذي
يجعل الإنسان يفكر بطريقة مختلفة عن طريقة تفكيره وهو في مرحلة عمرية مبكرة؟ وما
السر وراء اكتسابه لخاصية بعد النظر والإحاطة الشاملة بكل جوانب القرار قبل اتخاذه
عندما يكون في مرحلة عمرية متقدمة؟

الجوب سهل ويسير، فبمرور السنين
وتقدم الزمن يتعرض الشخص لمواقف مختلفة في الحياة ويواجه مشكلات متنوعة يساهم بحثه
عن حلول ومخارج لها في صقل خبراته وتنويع تجاربه وخياراته فتتراكم تلك الخبرات مع
الزمن لتثمر نضجاً في التفكير وسلامة في التحليل قبل الإقدام على اتخاذ أي قرار من
أي نوع فيصبح من السهل عليه التعامل مع أي مشكلة مستقبلية طارئة أو أحداث واقعه
تتطلب منه معالجةً سريعة ينتج عنها خيار سليم وموفق في طريقة إدارتها والتعامل
معها.

ومن المفيد أن ننوه هنا إلى أن
الإنسان يستطيع تجاوز عقبة الزمن، فقد يصل الشخص إلى مرحلة متقدمة من التفكير، وقد
يصعد سريعا إلى قمة جبل المعرفة وهو ما يزال شاباً صغيراً وفي سن المراهقة.

فليس عامل الزمن هو من يصنع
المواهب ويصقلها، بل التجارب والخبرات هي من يفعل ذلك، فقد تلاحظ في كثير من
الأحيان أن بعض الشباب يمتلكون عقول ناضجة، ولديهم تفكير سليم بعيد النظر، يقرأون
ما بين السطور، يمتلكون قدرة عجيبة على تحليل المشكلات واقتراح الحلول والمخارج، يحيطون
بجميع جوانب المشكلة أو الحدث وعلى إلمام كامل بتفاصيلها فيتعاملون معها بفن واقتدار
مما يطرح السؤال الجهوري، كيف فعلوا ذلك؟ وكيف تمكنوا من تجاوز عقبة السنين
فأصبحوا يمتلكون عقول راجحة لا يمتلكها حتى الكبار؟

وللإجابة على هذا السؤال من المهم
جدا معرفة أن هناك عاملان رئيسيان يساهمان بشكل كبير في تحقيق ذلك التقدم السريع،
ويقفان وراء سر النضوج العقلي المبكر.



أولا : كثرة الاحتكاك بالناس
والمجتمع:

فالطفل الصغير الذي يكثر من صحبة
والده ويخرج معه إلى السوق ويذهب معه إلى أعماله الحرة سواء كانت هذا الأعمال حرفية
أو تجارية فيجلس في الدكان مثلا أو يراقب والده وهو يعمل وينتج ويحتك بالناس فيحدثهم
ويسمع منهم وأيضا يرافق والده في المناسبات الاجتماعية واللقاءات والجلسات ويستمع
للحديث وما يدور في تلك المجالس فإن هذا الطفل في الغالب يتعلم من والده الكثير
والكثير على عكس الطفل أو المراهق القابع في البيت أو المشغول بأمر ثانوي كالتلفاز
والعاب الفيديو وغيرها من الملهيات، وعليه ومن هذا المنطلق فإننا ننصح الآباء
بضرورة أن يصطحبوا أولادهم معهم في كل فرصة تتاح لهم فالصحبة تولد الخبرة،
والاحتكاك بالناس والأصحاب والاستماع إليهم والتحدث معهم أمر إيجابي جدا يساهم
بشكل كبير في انفتاح العقل وتوسع المدارك.

فعندما تقوم بإصلاح أبسط الأشياء
في بيتك كحنفية المياه المكسورة مثلا أو تغيير إطار السيارة المثقوب أو غيره من
الأمور فاحرص دائما على أن يكون أبنك الصغير بجوارك، يراقب ويشاهد ما تقوم به
واطلب منه أن يناولك المفتاح الفلاني أو القطعة الفلانية أو أن يساعدك بالتركيب أو
التثبيت فهو بمجرد المشاهدة والمراقبة لما تقوم به يكتسب تلقائيا معلومات ومهارات
جديدة قد يبني عليها في مستقبله القريب.

 

ثانيا : التحصيل العلمي

إن تحصيل العلوم بأنواعها سواء
كانت علوم طبيعية تجريبية أو علوم إنسانية والاهتمام بالثقافة والإكثار من الإطلاع
والقراءة يساهم بشكل كبير في إنضاج العقل وتوسيع المدارك ويكسبك في عام واحد من
المهارات والخبرات ما لا تستطيع اكتسابه والحصول عليه في عشرات السنين.

فمن أراد أن يسبق سنه، ومن يطمح في
تجاوز عقبة الزمن والصعود إلى قمة (الجبل المعرفي) بشكل سريع واستثنائي فعليه
بهذين الأمرين معا (العلم والعمل).

 

وليعلم كل أب أن أكبر الملوثات في
عصرنا الحالي وأشدها خطورة على الأبناء والمراهقين هي تكنولوجيا الاتصالات
والإفراط في استخدامها بشكل سلبي فهي سبب رئيس في تأخر النضوج العقلي والتراجع
الثقافي وتدني المستوى العلمي والتحصيل الدراسي، فالطفل أو المراهق المعزول عن
المجتمع الملتصق على الدوام بجهازه الخلوي المشغول بالألعاب والمحادثات هو أكثر
عرضة لأن ينشأ بشخصية مهتزة منعزلة ، لا يملك مهارات ولا خبرات ولا يحسن التصرف أو
اتخاذ القرار السليم في أبسط أمور حياته.

ومن هذا المنطلق على كل أب أن يفطن
لهذا الأمر الخطير وأن يحسن تنشئة أولاده بعيدا عن الآفات والملهيات وأن يشغلهم
بالعلم والعمل واكتساب المعارف.
 


  • Share

    • 262
    • 561

    Submit your articles

    Submit your articles now to Orrec.