الوحدة الوطنية تحت عباءة الإنسانية بقلم ناصر خليفة


بقلم / ناصر خليفة 

لم تأت العلاقة الوثيقة بين المسلم والمسيحي في مصر  من فراغ، ولم تتشكل نتيجة لكلام معسول لتهدئة المواقف، إنما جوهر تلك العلاقة وروحها متجذرة في عمق التاريخ المصري الأصيل فالكيان واحد والطبيعة والفطرة المصرية واحدة، ثم أتت العقائد السماوية ونسب الأنبياء والرسل ليوطد هذا الرابط المقدس الذي جمع بينهم ولم يأت الإسلام ليفرق بينهم، كما يقول المتنطعون والحاقدون .

عندما أقول إنني "مسلم مسيحي"  فقد أصبت حقيقة إسلامي الذي يدعوني ويأمرني ربي في قرآنه بالإيمان بكل الرسل، وبما أن المسيح عيسى ابن مريم نبيا ورسولا فمن البديهي أن أنتمي للمسيح حبا وكرامة وتقديرا وإجلالا وتعظيما ، وعندما طالبني ربي أن أؤمن بكتبه ، فانا آمنت بالقرآن و بالإنجيل وكل كتبه، والإنجيل هو كتاب المسيح وتعاليم الرب الذي أرسلها إليه ، فهو أيضا ما كان ينطق عن الهوى بل هو وحي يوحى إليه من السماء العليا، وبالتالي أنا مسلم ؛ ديني الإسلام وعقيدتي الإيمان بالرسل وبالكتب السماوية، وعليه فإن علاقتي بالمسيحية علاقة وثيقة مصدرها القرآن والسنة المحمدية فمحمد(صلى الله عليه وسلم) لم يكن غير أخ لعيسى وموسى وباقي الأنبياء والرسل، وعليه فإن الإشكالية والعيب في كل متعصب و متشدد من كل الأديان، وليس العيب في العقائد السماوية، ولا ذنب لرسل السماء في هذا التناحر وذاك الكيد والغل في الظاهر والباطن، فكل الأديان من رب واحد وعبر سماء واحدة إلى بشر كلهم من آدم وآدم من تراب، ولم تفسد تلك العلاقات و هي في الأصل علاقات آدمية إنسانية إلا عندما اختلطت السياسة بالدين أو الدين بالسياسة، وهذا الخلط بنتائجه المعروفة ليس وليد مرحلة بعينها ، بل في كل مراحل التاريخ البشري ، فكلما تدخل الدين في الحياة العامة، وطالب بإخضاع السياسة له اصطدم بحوائط صلبة لا تقبل صعود الإسلام السياسي إلى منصة القيادة، لأن المجتمع متشعب ولا يقبل تيار إسلامي  محض يحكمه ويتحكم في مسارات حاضره ومستقبله، ويكفي ما وصلنا من تاريخ عصور سلاطين الخلافة وما كان من ألاف القتلى في حروب المسلمين فيما بينهم، لكن هيهات، فمن حسبوا أنفسهم أوصياء على الإسلام، اعتبروها حربا مقدسة، يسعون بكل قواهم لفرض سيطرتهم على الحكم، وهز عروش الملوك والحكام، فهم يرونهم على "ضلال" وليسوا حكاما شرعيين ، ولهذه الغاية خرجوا من "الكهوف والانفاق" ليصدروا للعالم الفكر المتعصب والمتطرف، من خلال مواجهات عنيفة ليس مع رجال الأمن فقط بل مع المجتمع كله، بالقتل والتصفية الجسدية والتفجير والإرهاب، ولا يخفى على أحد ما حدث ومازال يحدث ، إن إسلامي بريء كل البراءة مما يفعله "داعش " وغير داعش من أهل العنف، الذين يريدون إقصاء الآخر بأي وسيلة كانت ، فكلهم دواعش لا فرق ولا عجب، ولا غرابة ، الفكر واحد والوسيلة واحدة،  منهجهم إجتزاز آيات الحاكمية والخلافة والقتال والجهاد، وغيرها من أيآت تخدم فكرهم المتعصب الأعمى ، وكلها أيآت ليست قطعيةالدلالة، والعبرة في معظمها ليست بعموم اللفظ بل بخصوص السبب والتنزيل ، أما جوهر كل العقائد فجميعها تخاطب الروح والعقل معا فلا روح صافية تقبل إلا السلام مع النفس ومع الآخرين بمشاعر المحبة والألفة والوئام، ولا عقل صحيح يقبل غير منطق التفاهم والتعايش الإنساني ولا يقبل الظلم والقتل والإرهاب.

وهذا ما ابتغيه واقصده عندما اقول أنا مسلم ومسيحي في آن واحد ، مسلم أشهد أن لا اله الا الله واشهد ان محمد وعيسى وموسى رسل الله، عليهم جميعا الصلاة والسلام ، فإذا كنت  مسلما صحيح الإسلام وأعبد الله ولا اعبد سواه ، فلا اعادي المسيحي، كيف أعاديه وأنا مؤمن بعيسى رسول مبعوث  الله، ومازال حيا في السماء ، وكيف أعادي من ينتمون إليه، الذين ناصروه وأيدوه ودافعوا عنه في كل المحن والإبتلاءات التي مر بها هو وأمه مريم العذراء خير نساء العالمين، وليس من شأني ولا  شأن غيري إذا ظل كل إنسان على عقيدته ومذهبه طالما لم يؤذني فلا أوذيه في شيء ولا ارهبه ولا اظلمه، فحسابنا جميعا على من خلقنا جميعا ..

أمر التقارب والإنسجام بديهي، ومتاح للجمبع، ولا يخالف شرع الله في شيء، لكن البعض يقلب المفاهيم، ويصعبها على نفسه وعلى الآخرين، ويؤولها أكثر مما تحتمل  .

نسيجنا المجتمعي من أجود  الأنسجة، لا تأكله نار الفتة ولن تقصيه فتنة ولا طائفية ، ربما يتأثر قليلا،  لكن سرعان ما تطهره العشرة الطيبة وتعيده إلى سالف عهده .

حفظ الله مصر بجيشها وشعبها.


  • Share

    • 493
    • 802

    Submit your articles

    Submit your articles now to Orrec.