حوار مع صديقي الملحد: هل التفكير الحر هو حرية فكرية حقاً أم سذاجة في التقليد؟

سألني صديقي المثقف المتمرد فكريا سؤال ظن معه للوهلة الأولى أنني سأعجز عن إجابته، حيث قال لي بكل سذاجة (من خلق الخالق)؟

وهذا السؤال وغيره من الأسئلة المشابهة له يعتبر من المحظورات في مجتمعنا العربي ولا يطرحه إلا شخص متمرد فكريا بحسب اعتقاد البعض، أما من وجهة نظري فإن مثل تلك التساؤلات والأفكار تسهم إلى حد كبير في تصحيح المفاهيم المغلوطة لدى كثير من الشباب المعبئين تعبئة فكرية خاطئة مقيدة لا يجوز كسرها أو التمرد عليها.

حوار مع صديقي الملحد: هل التفكير الحر هو حرية فكرية حقاً أم سذاجة في التقليد؟ 

واجب الوجود

فقلت له حسنا .. الخالق الذي أؤمن به لم يبدأ في الوجود حتى يحتاج إلى من يخلقه فهو ممتد في الأزل بلا بداية ولا نهاية وهذه أحد صفاته التي أؤمن بها ووصف بها نفسه (هو الأول والآخر) فأنت هنا تجعل من الخالق (خالق ومخلوق) في نفس الوقت وهذا تناقض!! فالخالق يخلُق (بضم اللام وفتح الياء) ولا (يُخلَق) بضم الياء وفتح اللام.

فكل شيء بدأ ووجد فله خالق وصانع، ولا تستطيع أن تذكر لي شيء لم يبدأ، فكل ما في الكون قد بدأ عند نقطة معينة وزمان محدد والخالق لم يبدأ في الوجود بل هو أزلي لا بداية له ولا نهاية وبالتالي فهو واجب الوجود ابتداءً ممتداً في الأزل بلا بداية ولا نهاية، فالبداية والنهاية مفهومان نسبيان يصفان كل ما يقع في داخل حدود الكون من موجودات، أما ما يقع خارج الكون فلا وجود للبداية ولا للنهاية فيه.

قال لي بعد أن أصيب بالجمود الفكري المؤقت : حسنا !!

أنا أصدق العلم!! والعلم يغني عن فكرة الإله التي اخترعها الإنسان.

 

وظيفة العلم المحددة

قلت له : العلم يا عزيزي ليس كائناً يمتلك عقلاً حتى تصدقه أو تكذبه، العلم عبارة عن تراكم معرفي وإرث بشري صنعته العقول، فلو قلت أنا أصدق العقل لعذرناك في مقولتك فهي أكثر واقعية من عبارة (أنا أصدق العلم) الفضفاضة والتي لا ينفك مراهقوا الفكر يرددونها على ألسنتهم.

العلم يا صديقي عبارة عن مجموعة من الحقائق والمشاهدات المثبتة بالتجربة ومن خلالها نستطيع اكتشاف ومعرفة آلية عمل الأشياء وتمكننا تلك المعرفة من تفسير الكثير من الظواهر الطبيعية في الكون وتساعدنا تلك التجارب على محاكاة بعض تلك الظواهر في مجال الصناعة والتكنولوجيا.

لكن هذا (العلم) الذي جعلت منه يا صديقي إله يعبد ويعتقد فيه ما هو في الحقيقة إلا كاشف ومفسر للظواهر فقط ولا نستطيع بالعلم المجرد الوصول إلى السبب والعلة الأولى التي تقف خلف هذا الكون ووجوده.

ولكي تفهم معي كيف يعمل العلم سأشرح لك بمثال بسيط:

لنفترض جدلا أن أحد السيارات التي صنعها الإنسان قد امتلكت نسبة من التفكير وبدأت تسأل نفسها كيف يعمل محركي وأجزائي، وبدافع الفضول فقد تبنت تلك السيارة مهمة تفسير وكشف أغوار نفسها مستخدمة العلم كسلاح ودليل، وأخيرا عرفت تلك السيارة كيف يعمل محركها وكيف يتم الاحتراق الداخلي داخل أجزائه وكيف تولد كتلة اللهب في الاسطوانة القوة والضغط اللازمين لإدارة عمود المرفق المتصل بالعجلات، ثم بالعلم تمكنت تلك السيارة الذكية والعبقرية من كشف أسرار الكهرباء والبطارية وشرارة الإشعال ونظام تبريد المحرك ومسارات الزيت داخله، وكلما تقدمت تلك السيارة في العلم والمعرفة كشفت أشياء جديدة عن أسرارها وخباياها حتى وصلت إلى مرحلة الكمال المعرفي والعلمي وأصبحت على إلمام كامل ودراية شاملة بطبيعتها وحركتها وأجزاءها المختلفة.

هنا يطرح السؤال التالي!

هل هذا العلم المحيط الشامل الكامل للسيارة  قد كشف عن وجود الإنسان الذي صنعها ؟

هل هذا العلم دل السيارة على من صنعها ورتب أجزاءها ووضع فيها القوانين والأنظمة المختلفة؟

الجواب لا !!

فمعرفة الخالق من عدمه هو من أعمال العقل والمنطق ولا شأن للعم في مسألة إثباته أو نفيه.

أقصى ما قد يفيدك فيه العلم هو أن يبصّرك ويذكرك ويريك بديع الصنع والإحكام في كل ذرة يكتشفها أو قانون يستنتجه فيستحث بذلك عقلك على التفكير والتأمل بتجرد منطقي عقلاني يوصلك إلى الحقيقة الكبرى عن الكون وما فيه.

 

قام صديقي بلي عنقه قائلا : ولماذا لا نرى هذا الخالق المحتجب عنا ، أنا لا أؤمن إلا بما أرى وأسمع وكيف لخالق عظيم أن يحتجب ويختفي عن مخلوقاته بهذه السهولة.

أليس هو عظيم كما تصفونه ونوره يغطي كل شيء فكيف اختبأ ويطلب مني اكتشاف مكانه؟

 

هل الرؤية شرط للِإيمان؟

قلت له مهلا .. أنت واقع في خلط مرة أخرى .. والسبب الذي يوقعك في هذا النوع من الخلق هو محاولاتك اليائسة أن تسقط قوانين وأنظمة الكون على من خلق الكون، فأنت لديك عين ترى بها الأشياء وفي نفس الوقت تريد أن ترى من خلقك بنفس تلك العين البدائية.

الخالق ليس مختفي ولا محتجب والحقيقة هي أننا لا نستطيع رؤيته ولا نملك الأدوات التي تؤهلنا لذلك، فنحن في طور وجود أدنى من طور الوجود الإلهي.

فالصخرة لا تستطيع رؤية الشجرة لأن الشجرة كائن حي، أي في طور وجودي أعلى من الصخرة الجامدة الخالية من الحياة، والشجرة لا تستطيع رؤية أو إدراك وجود الإنسان لأن الإنسان في طور وجودي أعلى من الشجرة رغم أن الثلاثة قد يكونون في نفس المكان الصخرة بجوار الشجرة والإنسان ومع ذلك فإن فارق الطور الوجودي هو من يحدد من يرى ومن يدرك، فنحن كالجمادات بالنسبة للطور الوجودي الإلهي ولا نستطيع بتركيبتنا المادية البسيطة أن نرى أو ندرك من هو في الطور الأعلى.

 

أصيب صديقي المفكر مرة أخرى بالجمود الفكري ولكنه تدارك نفسه سريعا بسؤال ساخر آخر قائلا : حسنا إذا كان الخالق هو من قدر علي أفعالي قبل أن يخلقني كما تزعمون وكتب مصيري على جبيني قبل أن أولد فلماذا يحاسبني بعد ذلك؟ أليس في هذا تناقضاً كبيراً؟

 

معضلة القضاء والقدر

قلت له سأجيبك بمثال بسيط.

لنفترض أن لدينا معلم ذكي دائم الصلة بطلابه و (يعلم) تماما مستوى كل طالب منهم في التحصيل العلمي و (يعلم) تماما من هو البليد ومن هو الذكي، من المذاكر لدروسه ومن المهمل الكسول و(يعلم) كل شاردة وواردة عن طلابه بحكم تواصله الدائم معهم في الفصل.

فإذا ما جاء وقت الامتحان النهائي قام المعلم (بتقدير) نتائج طلابه قبل أن يمتحنهم بحكم معرفته المسبقة بهم، فحدد من سينجح منهم ومن سيرسب بناء على (علمه السابق) بهم.

ثم خاض الطلاب الامتحان (بكامل إرادتهم وحريتهم) وعندما قام المعلم بتصحيح أوراقهم ورصد درجاتهم وجد أن النتيجة التي (قدرها) لهم كانت مطابقة تماما للواقع بأدق تفاصيلها.

هنا دعني بدوري أسألك سؤال بسيط .. هل سيأتي أحد من الطلاب ويتهم المعلم بأنه قد تعمد تقرير مصيره وفرض عليه الرسوب.

الجواب لا !!

الطالب خاض الامتحان بكامل حريته وإرادته من دون أي تدخل مباشر أو غير مباشر من المعلم.

إذا ما هو السر؟ أريدك أنت يا صديقي أن تجاوب!!

قال : السر هو أن المعلم (يعلم سلفا)

قلت له أحسنت ، لقد أجبت عن سؤالك بنفسك

فالإله الذي أؤمن به متصف بصفة العلم الكامل المطلق المحيط بكل شيء، فهو يعلم بما يحدث قبل حدوثه فعلمه غير محدود لا بماضٍ ولا بحاضرٍ ولا بمستقبل، كل الأمور مكشوفة عنده، يراك قبل خلقك ويراك الآن ويراك في الجنة أو النار معا في وقت واحد.

فمصير الخلائق يا صديقي هو (كتاب علم) وليس إجبار، وإذا كان هذا الإله لا يعلم بما سيحدث مستقبلا فهذه صفة نقص تعالى عنها الخالق الذي أؤمن به.

 

 

  • 82
  • 981
  • Share

Submit your articles

Submit your articles now to Orrec.

Share