ظاهرة إدمان شبكات ومنصات التواصل الاجتماعي، المشكلة والحلول

لا يختف اثنان على أننا دخلنا في
عصر (العزلة) الاختيارية، فقد وجدنا في ما يعرف اليوم بمواقع التواصل الاجتماعي
ضالتنا المنشودة فأصبحت لنا بمثابة مهرب سهل ومنفذ يسير نتسلل عبره من الواقع
الحقيقي المألوف لدينا إلى واقع افتراضي جديد بالكلية ومغري وجذّاب، والذي كان يوما من
الأيام يعتبر ضرباً من المستحيل وشطحة من شطحات الخيال الذي يداعب رؤوس
الأطفال.

  لقد تطورت تلك المواقع بسرعة وأصبحت
بمثابة الفردوس المفقود لكثير من فئات المجتمع خصوصا الشباب والمراهقين، فهي مغرية
لحد الثمالة وفيها من الأشياء والإمكانات ما لا يتوفر لنا في الواقع الحقيقي الذي
نعيشه ونحياه، حيث تقدم لنا بكل سهولة قوائم لا نهاية لها من الأصدقاء والأصحاب وتتيح
لنا فرصة إنشاء الصداقات والتعارف وتبادل الآراء والأفكار والصور ومشاركة حياتنا
الاجتماعية معهم بأدق تفاصيلها.

أضف إلى ذلك الكم الهائل من المعرفة والثقافة
والمعلومات التي جعلت من العالم قرية صغيرة جدا متقاربة الأطراف تستطيع التنقل
فيها من مكان إلى آخر ومن بلد إلى بلد بكبسة زر فقط، بعد أن كنا مأسورين لعقود
طويلة من الزمن بعالم التلفاز الذي كان يعمل في اتجاه واحد فقط وهو تقديم وطرح
الأفكار فقط، أما اليوم فقد أصبح خيار المشاركة متاحاً للجماهير عبر تلك المواقع
والمنصات.
 

لكن هذا العالم الجديد (المبهرج) والغريب
لا يخلوا من مساوئ وآفات ومشاكل، حيث أنه قد طغى مؤخرا بشكل كبير على الواقع
الحقيقي واستأثر بجزء كبير من حياتنا وأنشطتنا اليومية وربما كان ذلك على حساب
أوقاتنا المخصصة للعمل أو الدراسة أو لترتيب وتدبير شؤون المنزل أو زيارة الأهل
والأصحاب في العالم الحقيقي، وكل ذلك له انعكاسات خطيرة على حياة الفرد والمجتمع،
حيث تبدلت الأولويات واختل ميزان الوقت والتخصيص فأصبحت العشوائية سيدة الموقف.

 

العالم الكاذب

لعل من أهم المساوئ التي يقدمها
ذلك العالم الافتراضي والتي لا تخفى على أحد هو مقدار الكذب والخداع الذي نراه
ونقف عنده ونمارسه أحيانا في مواقع التواصل بدءاً بالصورة الشخصية المفبركة أو
أسلوب الحديث المصطنع واللهجة المؤدبة والكلام المنمق المسروق في أغلبه من مواقع
أخرى والذي لا يعبر بصدق عن حقيقة الشخص الذي يقف وراء ذلك القناع المزيف، ناهيك
عن التزييف والتزوير والكذب عند استحضار المؤهلات العلمية أو الخبرات العملية وقصص
المال والأعمال والسفر .. إلخ.

على سبيل المثال فإن كثير من قصص
التعارف عبر تلك المواقع مبنية على المغالطة والخداع وقلما تجد حساباً لشخص يعبر عن
واقعه الحقيقي.

 

المال والشهرة

هناك جانب آخر مظلم لتلك المواقع
فقد نصبت الفخاخ لمشتركيها وأغرتهم بالمال عند جمع أكبر عدد من النقاط أو
المشتركين وما شابه ذلك، فيتحول معظم الناس إلى مجرد أدوات للدعاية والإعلان
والتسويق لتلك الشركات الكبرى مقابل فتات بسيط يرمى لهم بعد أن يحققوا بعض
الشروط  التعجيزية التي وضعتها أمامهم تلك
الشركات.

وللأسف فقد اقتحمت تلك المواقع
والمنصات مجال العمل اليومي للإنسان ودوامه، فترى الطبيب أو المعلم أو الموظف
البسيط في الشركة منكباً أثناء دوامه الرسمي على تلك المواقع، يتصفحها ويفحص مستجداتها
على حساب المرضى أو الطلبة أو عملاء الشركة الواقفين في طابور طويل في انتظار
إنهاء معاملاتهم التي أصبحت رهينة لانتهاء الموظف من إضافة تعليق أو مشاركة في
صفحته على منصات التواصل.

وهذا في الحقيقة أمر مؤسف للغاية
وظاهرة تستوجب العقاب والجزاء، فكل إنسان مستأمن على عمله ووظيفته ويجب أن يتحلى
بضمير حي يقظ وأمانة ومراقبة تدفعه إلى إحسان عمله.



جبال الوهم ووديان الخيال

يقوم المشترك في تلك المواقع ببناء
عالمه الافتراضي الخيالي خطوة بخطوة بدءاً بالتسجيل في تلك المواقع والمنصات
وانتهاء بجذب أكبر عدد ممكن من الجماهير التي تشاركه وتسانده في بناء إمبراطوريته
الافتراضية الوهمية عن طريق مشاركتهم كل جديد تقع عليه يداه، فتصبح كاميرا هاتفه
الخلوي بمثابة سلاحه الاستراتيجي الشخصي لتحقيق ذلك، ولا أدل على ذلك من تصرفات
الكثير منا في بعض المواقف، فعندما تجد إنساناً في مأزق ويحتاج إلى المساعدة الفورية
فإنك بدلا من أن تمد إليه يد المساعدة وتنقذه من ورطته أو كارثته إذا بك تقوم
بالتقاط صورة له وهذا أول ما يخطر في بالك في تلك اللحظة الحرجة.

يدفعك إلى ذلك
التصرف الشاذ الغريب حب التميز والفوز بأحد الحصريات الذي قد يزين صفحتك الشخصية
لعدة أيام هنا أو هناك ويجلب لها الاهتمام ويلقى تفاعل ورواج غير عادي يرضي غرور
نفسك ، وقس على ذلك الكثير من الأحداث اليومية السلبية التي توثقها عدسات رواد
مواقع التواصل الاجتماعي.

 

تواصل بعقل وتصفح بحكمة

نعلم جميعا أن التكنولوجيا الحديثة
فيها الجانب السلبي والإيجابي، وأننا نحن معشر المستخدمين لتلك التكنولوجيا من
يحدد ذلك.

فأنا هنا لا أطالب ولا أحث
الجماهير على التخلي عن التواصل اللاسلكي ولا أن يتركوا ما حققوه وألفوه في تلك
المواقع الافتراضية ولا أدعوهم إلى حذف صفحاتهم وإقفال أجهزتهم فهذا الأمر أصبح
واقعاً معاشاً بالفعل وجزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية المعاصرة ولكن ما يهم في الأمر و يجب
على كل مشترك في تلك المنصات القيام به هو أن يكون الشخص متزناً في تصرفاته، متحكماً برغباته يفرض قراره السيادي على كيانه ويحاول جاهدا أن يكون سيد نفسه يتحكم ويدير
وقته بحكمة واقتدار وأن لا يقع ضحية تلك (البهرجة) الإلكترونية اللامعة والبراقة التي
قد تتحول عند سوء استخدامها إلى سم قاتل للوقت والصحة البدنية والنفسية ومدمرة
للعلاقات الاجتماعية والأسرية.

إليك عزيزي القارئ بعض التوجيهات
والنصائح التي قد تساعدك في إعادة النظر وتصحيح المسار في طريقة تعاملك مع مواقع
التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعها وأشكالها ومنصاتها:

أولاً: جاهد نفسك وحاول إلزامها بوقت
محدد يوميا وساعات معلومة تقضيها مع تلك المواقع ولعل أفضل تلك الأوقات وأنسبها لك
هو الصباح الباكر قبل الذهاب إلى عملك أو مدرستك، لأنك في هذه الحالة ستكون مجبرا
على تركها عند حلول ساعة الذهاب إلى العمل.

ثانياً: تجنب تصفح تلك المواقع قبل
النوم فقد تسحبك بخيوطها السحرية إلى منتصف الليل أو ساعات الفجر الأولى ببهرجتها
وزينتها وتفاعلاتها ويكون ذلك على حساب نومك وراحتك وصحتك فتظفر بالسهر والتعب
وقلة الراحة.

ثالثاً: عندما تأوي إلى النوم حاول
قدر المستطاع أن تضع هاتفك الخلوي بعيداً عنك، أما إذا كنت تحتاج منبهه لإيقاظك
صباحا فقم بإطفاء شبكة الوايفاي او البيانات (اقطع النت عنه)  ثم نم قرير العين، وفي حال نهضت منتصف الليل
فلا تفكر أبدا في أخذ هاتفك وحاول النوم مرة أخرى سريعا.

رابعاً: تعامل مع تلك المواقع بحذر
شديد فلا تقم بإعادة نشر أو تغريد أو مشاركة ما تقرأه وتشاهده إلا بعد التأكد من
مصدرة ومصداقيته.

خامساً: عند اشتراكك في أحد تلك
المواقع حاول جاهدا أن تكون صادقاً مع نفسك أولاً ومع الآخرين فكن أنت بشحمك ولحمك
وشخصيتك وصورتك وكامل تفاصيلك ولا تمارس الاختباء خلف شخصية أخرى مشوهه لا تمثلك.

سادساً: إبحث دائما عن المفيد وجنب
نفسك الجدال مع الآخرين، فالناس مهما اتفقوا في وجهات النظر فهم مختلفين بطبعهم،
قدم أفكارك التي أنت مقتنع بها وستجد من يتفق أو يختلف معك فهذا أمر طبيعي لا
يستدعي التشنج والغضب الذي قد يقودك بدورة إلى الانحدار نحو مستوى لا يليق بك أو
يناسب شخصيتك.

سابعاً: لا بديل عن التواصل
الاجتماعي الحقيقي فلا تدع التواصل الاجتماعي الافتراضي يلهيك عن واجب أو يمنعك من
أداء عمل مستحب، استمر في زيارة الأهل والأقارب والأصحاب والأحباب بشكل حقيقي
وتفقد أحوالهم على أرض الواقع وأجلس معهم وتجاذبوا أطراف الحديث وجها لوجه ولا
تتعذر بأنك قد قمت بكل ذلك عن طريق مواقع التواصل الافتراضي، فالفرق شاسع والنتائج
مختلفة تماما وبشكل جوهري.

ثامناً: حاول أن تتفاعل مع البشر
أثناء دوام عملك الرسمي أو دراستك ولا تستخدم هاتفك الخلوي إلا لإجراء المكالمات
الضرورية فقط، أجلس مع زملائك وتبادلوا أطراف الحديث في وقت الفراغ، ويمكنك هنا
استخدام حيلة طريفة عند الجلوس مع الأصحاب أو زملاء العمل أثناء الاستراحة بأن
تشترط عليهم إقفال هواتفهم قبل الجلوس لتبادل أطراف الحديث وهي طريقة فعالة وطريفة
جدا ونتائجها رائعة للغاية، ويمكنك تطبيقها أثناء الرحلات أو النزهة أو الزيارات.

تاسعاً وأخيراً: تبقى هناك مشكلة (صغيرة
كبيرة) في آن واحد معا وهي خاصة بتطبيق (واتسآب) الاجتماعي، فهذا التطبيق الخطير
قد انتشر انتشار النار في الهشيم وقد جعلت سهولة استخدامه والتعامل معه تأثيره
شديد وفعال على عكس بقية وسائل التواصل الاجتماعي، هذا التطبيق العجيب تسبب في
حدوث ظاهرة التصاق البشر بهواتفهم النقالة وأصبح من الصعب جدا فكهم عنها فهم
ملتصقين بها ليلا ونهارا بفضله، لا يستطيعون التخلص منه حتى في ساعات النوم،
فبمجرد أن يصحوا الإنسان من غفوته ليلا يلتقط هاتفه بلا شعور لفحص الرسائل
الجديدة، بل أن البعض يقبع كالصنم أمام هاتفه في انتظار تنبيه ورود رسالة جديدة
يشعر معها بارتياح غريب يسيطر على كيانه ومشاعره.

لقد تطورت ظاهرة التواصل الاجتماعي
حتى أصبحت إدمان عند كثير من البشر وطغت على جل اهتماماتهم واقتحمت أدق التفاصيل
في حياتهم، ويبقى الحل الأساسي والجوهري متمثلا في  شخصية المستخدم القوية ومقدار تحكمه في نفسه
ونجاحه في إدارة وقته بعقل وحكمه واتزان و العلاج الأمثل والأجدى لتقنين وإدارة
هذه الظاهرة وإحسان التعامل معها. 

 

ختاماً:

من باب الإنصاف للظاهرة فإنه لا
أحد يستطيع إنكار إيجابياتها وفضلها الكبير في تحرير المعلومة التي كانت لدهور
طويلة حكرا على صفحات الكتب أو مقاعد الدراسة في الجامعات والمعاهد والمدارس، فقد
قدمت لنا هذه المواقع والمنصات كل شيء على طبق من ذهب وأصبح الإنسان بفضلها يستطيع
أن يتعلم ويفهم ويبدع ويشارك.

فكم من إنسان يعيش سنوات طويلة في
الغربة بعيدا عن أهله ووطنه ولكنه اليوم وبفضل هذه التكنولوجيا أصبح يستطيع
التواصل مع أطفاله وزوجته وأحبابه متى شاء بالصوت والصورة والرسائل المباشرة فخفف
عن نفسه وعن أهله بعض هموم وآثار الغربة بل أنه أصبح يستطيع أن يذاكر الدروس
لطفلته الصغيرة مباشرة عبر تلك المواقع ويتابع مستواها الدراسي أولا بأول، وأصبح
على معرفة ودراية كاملة بكل أحوالهم لحظة بلحظة.

وكما أسلفنا فإن التكنولوجيا بريئة
في ذاتها ولكن قد يأثم من يسيء استخدامها ويفرط في التفاعل معها فيضيّع واجباته
ويهمل التزاماته فكم من رب أسرة يعيش في بيته بين زوجته وأولاده بجسده فقط أما
قلبه وعقله وروحه فقد ذاب في الشاشات وتاه في المنصّات.

 







































































 


  • Share

    • 424
    • 2,723

    Submit your articles

    Submit your articles now to Orrec.