فيلم mother! - مشاهدة في فيلم الأم ومراجعة نقدية

تنبيه واجب: هذه المراجعة تحتوي سردا لبعض أحداث الفيلم إن كنت تنتوي مشاهدته لاحقا.


فيلم الأم أو (!mother) صدر في عام 2017 عن دار توزيع باراماونت ويقوم ببطولته العديد من الممثلين ذوي الموهبة الكبيرة في هوليوود. لا توجد أسماء للشخصيات في الفيلم مما سيعطيك فكرة مسبقة عما أنت بصدده. جينيفر لورنس في دور الأم و خافيير بارديم في دور (هو) أو الشاعر و ميشيل فايفر في دور (المرأة) و إد هاريس في دور (الرجل). بالاضافة للابن الأصغر والابن الأكبر والكثير من الممثلين الذين يتتابع ظهورهم في تسلسل مطرد مع مرور زمن الفيلم. المخرج و المؤلف هو (دارن أرنوفسكي) الذي قد يعلم اسمه بعض هواة الأفلام العميقة والمثيرة للجدل مثل فيلم (requiem for a dream ) و فيلم (the wrestler) و أيضا فيلم (black swan). وجود اسم دارن ارنوفسكي على أي فيلم يعني أنك أمام فيلم ثقيل الوزن ولا يمكن التعامل معه باستخفاف لذا تحتاج أفلامه عادة للكثير من التأمل والتفكير و قد لا تكون مناسبة لهواة الافلام الخفيفة و بعض أنواع المشاهدين وحتى بعض الظروف اليومية التي يمر بها الكثير منا. 

فيلم (الأم) هو فيلم مثير للجدل بالدرجة الأولى ولا يمكن أن تجد اثنان متفقان عليه بدرجة كبيرة ولذلك تتراوح جميع تقييماته على موقع IMDB بين الافراط في الاعجاب و الافراط في السخط و الذم. لا توجد حلول وسط مع هذا الفيلم كما أنك قد تعجب به اعجابا شديدا ولكن لا يتسنى لك فهمه بدرجة كاملة. فيلم (الأم) هو فيلم رمزي من الدرجة الأولى وتحمل إشاراته الكثير من المعاني والغموض ويحتاج لملاحظة دقيقة لكل ما يقال فيه حتى حوارات الشخصيات الثانوية والجانبية تحمل العديد من المعاني التي قد تساعدك على فهمه بالاضافة للاحاطة بالعديد من المعتقدات الدينية والممارسات اللاهوتية المختلفة لبني الانسان.

يحكي فيلم (الأم) بصيغة رمزية قصة بني الانسان و الشيطان و الرسل و قابيل و هابيل والسيدة مريم البتول و السيد المسيح و تطور الدين بين اليهودية و المسيحية والاسلام و تشعب الفرق الدينية وضلالها عن الرسالة الأولى و ادعاء بعض البشر صفات القداسة ثم قيامهم بمنح بعض هذه القداسة لأشخاص آخرين. تكلم البشر على لسان (الشاعر) بما لم يقله و انخراطهم في العنف والقتل تعبيرا عن الحب. الدولة في مقاومتها للعنف الناتج عن الحب و المتدينين في محاولتهم فرض الدين بالعنف. تحول المنزل الجميل لملاذ للجميع وقيامهم بافساده وتحطيمه بالمقابل. قوة الكلمة والرسالة وجمالها في مقابل العنف وسوء التأويل من قبل المريدين. تنطع البشر و طلب ما ليس لهم واقتحامهم أملاك الغير و افسادها. قتلهم لابن (الشاعر) باسم الحب ثم أكلهم لحمه و دمه بداعي الحب. رجمهم الأم و نعتها بأبشع الألفاظ عندما جزعت لموت ابنها. الأخ يقتل أخاه بدافع الغيرة و الشيطان يأتي للزيارة بدون دعوة يمارس الفحش في كل مكان من المنزل الجميل و يترك ثمرته في المنزل تأكل أرضه و تحرقها. احتراق المنزل بمن فيه في النهاية وموت الأم ولكنها تترك شيئا جميلا في النهاية. انه حبها للشاعر و تمنحه فرصة جديدة للبناء.

يبدأ الفيلم ب(الأم) جينيفر لورنس و (الرجل) أو (الشاعر) خافيير بارديم. منزل ريفي جميل في منطقة نائية كان خربا فعمرته ونشرت الخضرة في كل مكان. الشاعر يمتلك قطعة جميلة من الكريستال يحفظها في مكان مميز في غرفته التي يمارس فيها الكتابة. يعاني (الشاعر) من فقر الالهام و سدة الكاتب ولا يجد ما يكتب. تأتيه زيارة من ضيف ثقيل (إد هاريس - الرجل) والذي يدخن بشراهة ويعاني من كحة مستمرة، يبدو أن أيامه إلى زوال ولكنه يأبى إلا أن يترك بصمته. يتضح أنه كان يراقب (الشاعر) من فترة ويعلم الكثير عنه. يجد الشاعر في (الرجل) باعثا على الالهام ويحب صحبته. لا يجد الشاعر غضاضة في رد أي عابر سبيل أو ضيف مما يثير حنق الأم. يستغل الضيف الثقيل كرم الضيافة فيقوم بدعوة زوجته (ميشيل فايفر - المرأة) للمنزل كما يقوم بدعوة ابنيه. يمارس (الرجل) علاقته مع زوجته بوقاحة في أي مكان في المنزل. يقوم أيضا بدعوة ولداه واللذان يتشاجران إثر وصية ظالمة لم تعجب أحد الأبناء فيقتل أخاه (كما في قصة قابيل و هابيل). يهرب الابن القاتل و يخبر جينيفر لورنس قبل أن يذهب (أنت لا تفهمين أي شيء). 

يقيم الضيوف حفل تأبين في المنزل لابنهما المغدور و يبدأ الزوار في التوارد على المنزل بدون دعوة و بيت (الشاعر) مفتوح دائما للزوار. يقومون بافساد المنزل و تحطيم بعض أثاثه فتستشيط (الأم غضبا) وتقوم بطردهم جميعا. يذهب الجميع بعد أن يقوم (الرجل) و (المرأة) بكسر التحفة الكريستالية التي يحتفظ بها الشاعر و الذي يأسف كثيرا عليها.



القصيدة

تشتكي (الأم) من أن (الشاعر) قد هجرها وهي تريد الانجاب فيأتيها و تأتيها البشرى في المنام، تستيقظ صباحا لتخبره (أنا حامل) لا تعرف كيف ولكنه يصدقها و في هذه اللحظة يأتيه الالهام. ينتهي (الشاعر) من كتابة القصيدة و يعطيها للأم لتقرأها فتبكي.تتصل به الناشرة في نفس اللحظة لتخبره أنها قد أعجبتها فتصاب الأم بالاحباط لأنها لم تكن أول من يقرأها. تشتهر القصيدة بشدة و يبدأ المعجبون في التوافد على المنزل الذي يواجه تهديدا جديدا. (الشاعر) لا يرد أحدا و الزوار يبدأون في التوافد بكثرة ويتعاملون بفظاظة. (لقد أخبرنا أن نتشارك) تصاب جينيفر لورنس بالفزع لاقتراب مخاضها و ازدياد الزوار. (الشاعر) دائما منشغل بالمعجبين و الزوار الجدد. يريد كل منهم أن يأخذ قطعة من المنزل على سبيل المشاركة. يبدأون في تكسير أخشار المنزل و سرقة الحلي و الأنتيكات. يسرقون أي شيء ويتشجارون، شجار دائم و عنف مفزع وسط صراخ البطلة التي لا تجد مكانا تضع فيه مخاضها.

يبدأ القساوسة في الظهور ويبدأون بمسح رؤوس المريدين بحبر القصيدة الأسود (لديك الآن جزء من كلماته). مازال الشاعر لا يرد أحدا وينظر إلى المريدين بنظرة العطف. يتطور الوضع ليبدأ المريدين في تنظيم احتفالات صاخبة و مسيرات داخل المنزل الكبير يحملون فيها صورة (الشاعر) وتصل طبعات جديدة من القصيدة. تزداد الضوضاء و الأعداد و العنف ومازالت (الأم لا تجد مكانا تضع فيه مخاضها. تبدأ عمليات القتل داخل المنزل ويوشك المريدون على قتل (الأم). قتال عنيف و صوت طلقات نارية و دوي المدافع و عنف متبادل بين الشرطة و المريدين داخل المنزل المزدحم و لا يعرف القاتل فيم قتل ولا المقتول فيم قُتل. يصل (الشاعر) أخيرا للأم وينقذها من الفوضى الحادثة ويلجأ بها إلى غرفته القديمة حيث كانت توجد الكريستالة التي كسرت من قبل، يغلق الباب عليهما ويبدأ مخاضها فتنجب طفلا ذكرا.




الابن

لا تريد (الأم) أن تشارك ابنها مع (الشاعر) وتخاف عليه من الغوغاء المتجمعين في الخارج. يستغل الشاعر لحظة غفلتها ويختطف منها الطفل ليباركه الجمهور. تصاب بالفزع حيث يبدأ الجمهور بتناقل الطفل الوليد ليقتلوه في النهاية ويبدأون في أكل لحمه والتبرك به في مشهد غاية في القسوة. تصاب (الأم) بالجنون وتبدأ في طعن الجميع بقطعة من كسر الزجاج. يضربونها و يرجمونها وينعتونها بأبشع الألفاظ حتى ينقذها (الشاعر) مجددا من براثنهم. تصاب الأم المكلومة بالجنون و يقول لها الشاعر (الآن علينا أن نتعلم أن نسامحهم). تغضب (الأم) على الجميع وتهرب إلى القبو حاملة قداحة اللهب التي تركها (الرجل - الشيطان) في أول الفيلم لتشعل النار في برميل من القار فينفجر المنزل بمن فيه. يبقى (الشاعر) حيا و تذبل روح (الأم). (أنت لم تحبني - أحببت فقط الطريقة التي أحببتك بها) تكون هذه كلمات وداع الأم قبل ذويانها (لم يعد لدي شيء لأعطيه لك). يقول لها الشاعر (بلى- يمكنك أن تعطيني حبك ويمكنني البدء من جديد). يشق صدرها عن قلبها فيأخذه ليتكشف عن كريستالة مماثلة للتي كانت في أول الفيلم. يعود المنزل كما كان خاويا فارغا إلا من فتاة ترقد في الفراش مكان الأم القديمة. فتاة جديدة ستبدأ مع (الشاعر) هذه الملحمة من جديدعله يفلح هذه المرة في مبتغاه.

الانطباع العام