قراءة في رواية أحمد مراد الجديدة (موسم صيد الغزلان)

تنبيه واجب: حرق لبعض أحداث الرواية.

صدرت رواية أحمد مراد الجديدة (موسم صيد الغزلان) في طبعة أنيقة عن دار الشروق وكما نرى في الغلاف صورة امرأة جميلة ملونة العينين فالقصة في الأساس تحمل خطين أساسيين وهما المرأة والالحاد. ينبغي عليك عزيزي القارئ أن تعلم أيضا أن الرواية مليئة بحوار نفسي إلحادي شديد الجرأة على الإله وأحداث جنسية مفصلة. لم نكن نتوقع أقل من هذا من أحمد مراد على أي حال بعد روايته الأشهر على الاطلاق (الفيل الأزرق). في اعتقادي الشخصي أن الكاتب أراد عودة المبيعات الجيدة لكتبه بعد كتابين فاشلين نسبيا وهما (1919) و (أرض الإله) حيث استعمل حبكة تاريخية و أحداث محافظة نسبيا ولكن هذا لم يعجب قراء أحمد مراد الذين يبحثون عن الغموض والتشويق بعد قراءة الفيل الأزرق و فيرتيجو و تراب الماس. أحمد مراد كاتب مثقف جيدا ويجيد البحث في مواضيع كتبه كما يجيد كذلك الحبكة الدرامية والتشويق. حسنا الأخبار الجيدة هي أنك لن تشعر بالملل أثناء قراءة هذه الرواية فالحبكة فيها جيدة إلى حد كبير وستستمتع بالأحداث حتى الفصل الأخير على الأقل حين تنتهي الرواية نهاية قد يعتبرها البعض محبطة أو ليست على مستوى الرواية عامة. أما الأخبار السيئة فهي أنك ستقرأ الكثير من الأفكار والحوارات النفسية الإلحادية كما أن الكاتب يسرف في استخدام الجنس وربما احتقار المرأة باعتبار بطل الرواية (نديم) شخص لا يؤمن بالأديان ولا بالإله فهو يعتبر نفسه كائن أكثر تطورا من المرأة أو بتعبير الكاتب (صياد ماهر) في قنص الغزلان (النساء).

تدور الرواية في زمان مستقبلي حيث يستخدم البشر نظارات للواقع الافتراضي تلازمهم في حياتهم وسيارات طائرة للانتقالات كما تعرض نهر النيل للجفاف وصار هناك نوع متطور من البشر ونوع آخر يقطن العشوائيات ولا يبدو أن مراحل التطور ستصيبهم في أي وقت. بطل الرواية (نديم) هو عالم بيولوجيا تطورية ويقوم بالقاء محاضرات يحضرها الكثير من المريدين ويقوم فيها بسب الإله عمدا واحتقار الأديان باعتبارها قصص أطفال حاكها البسطاء في عقولهم للتسلية عن الحياة الصعبة وإيجاد سبب خارق فوق العادة للاجابة عن الأسئلة الصعبة التي لم تستطع عقولهم البسيطة استساغتها على مر الزمان.

نديم مقترن بمريم التي تعاني من هلاوس عقلية و انفصال تام عن الواقع حيث تسبح في عالم النجوم والأبراج وتعزي تفسير كل أحداث حياتها إبى زوايا الأبراج والكواكب.

هناك أيضا مذنب كبير يمر بالسماء في خلال أحداث الرواية ويبدو أن هذا المذنب يصيب الناس بالجنون. هذا المذنب يأتي مرة في العمر حسب قول الكاتب ولذلك لن يمكنك أن تراه مرة أخرى، يطالع الناس بشغف مرور المذنب بالسماء ويصاب الكثير منهم بالجنون وتنقلب حياة بطل الرواية رأسا على عقب ربما بسبب مرور هذا المذنب الذي لا أجد له تفسيرا ولا لازمة درامية في الأحداث سوى عادة أحمد مراد في إضافة عنصر أسطوري على الأحداث لإلهاب خيال القارئ فوجدنا مذنبا يمر بالسماء بلا داعي.

يعاني بطل الرواية من الأرق وقلة الأحلام وفتور الحياة الجنسية بينه وبين زوجته (مريم) حيث اعتاد في هذا الزمان المستقبلي على مضاجعة النساء وخيانة زوجته مرات عديدة ولا مانع لديه أيضا من مضاجعة (روبوت) على هيئة امرأة في بيت دعارة الكتروني حيث يمكن اختيار شكل ولون شعر الروبوت مع إضافة روائح مميزة لزيادة الاستثارة الجنسية.

يقابل (نديم) نده وخصيمه في الرواية (طارق) أثناء إلقاءه إحدى محاضراته التي دأب فيها على تمجيد نظرية التطور. طارق هو شخص متصالح مع نفسه وهو أقرب إلى الصوفية بالاضافة إلى زوجته الغجرية حمراء الشعر (تاليا). يقرر نديم زيارة طارق في منزله ليحاول إغواء زوجته اللعوب وليحاول ممارسة هوايته في قنص الغزلان - أو النساء - حيث يعميه هرمون التستوستيرون عن التنبه للمكيدة التي تحاك له حيث يقع في براثن طارق الذي يبدو أنه ليس بالخصم السهل.

يخضع (طارق) البطل (نديم) لتجربة نفسية مؤلمة مع أجهزة للهلاوس العقلية و يقع نديم في الفخ بكل سذاجة في تجربة علمية باراسيكولوجية يقودها طارق في منزله المسمى (الملاذ). مازال البطل الملحد لديه الكثير من الأسئلة ويبدو أنه غير مقتنع بالحاده تماما ويريد الوصول للحقيقة بواسطة دليل مادي. يستمر نديم في التجربة تحت وطأة جنونه الجنسي وهوسه ب(تاليا) وتمنيه مضاجعتها بأي وسيلة كانت ولكن طارق يبدو أنه يعرف ما يفعل جيدا. تاليا تبدو هي الأخرى مشاركة في اللعبة حيث تقوم باعطاء نديم بعض المحفزات الجنسية لاستكمال التجربة بدون أن تمنحه فرصة التمكن منها. تسير أحداث الرواية بنديم بين الحاضر والماضي حيث نتبين جذور إلحاده إثر تعرضه لصدمة نفسية فقد فيها إبنته (سلاف) في تفجير إرهابي فقرر الانتقام من الإله في محاولات البائسة إثبات عدم وجوده (أو موته) على حد تعبير الكاتب.

نديم يبدأ في استرجاع حيواته السابقة في أزمنة سابقة و في أجساد غريبة و يستغل طارق مهارته كمعالج نفسي ماهر في اقناع طارق باستكمال التجربة المؤلمة لنهايتها ولا مانع من استخدام بعض المحفزات الجنسية عن طريق تاليا و الترهيب من فقدانه لعقله في حال عدم استكماله للتجربة لنهايتها. يعاني نديم من كثير من الهلاوس حتى يكاد يصاب بالجنون وفقدان التفرقة بين الحقيقة والخيال والواقع والمستقبل وتبدأ حيواته السابقة في التداخل مع حياته الحالية. يخوض نديم الخطو الأخيرة في التجربة ليستيقظ ويتبين المكيدة التي وقع فيها ولن نحرق نهاية الرواية للقارئ حفاظا على بعض التشويق.

يقتنع نديم أخيرا بوجود روح و يبدأ في التساؤل عن حقيقة الإله إلا أنه لا يبدو أنه قد وصل للحقيقة والقناعة التامة في النهاية ولكنه على الطريق أو هكذا يريد الكاتب أن يخبرنا.

التقييم:

رواية موسم صيد الغزلان ليست أفضل ما كتب أحمد مراد ولكنها رواية جيدة من جانب الحبكة والتشويق مع وجود اهتراء كبير في الأحداث وخوض الكاتب في إبداء أوصاف معقدة لمواقف بسيطة ولا تحمل هذا التعقيد. ربما يبدو إسراف الكاتب في الاسهاب الوصفي لاطالة عمر الرواية قليلا حيث كان يمكنه اختصار نصفها بدون إخلال بالأحداث ولكن الطبعة حينها لم تكن لتعجب الناشر أو القارئ على أي حال.

لا أعلم حقا إن كان أحمد مراد يريد ركوب موجة الإلحاد المنتشرة في الوطن العربي في هذه الأثناء ولكن هراء الالحاد و أسئلة بطل الرواية ليست بهذا العمق وربنا كان يجب عليه تحري بعض الدقة العلمية والعودة لمصادر فلسفية أكثر إقناعا من سفسطات ريتشارد دوكنز الساقطة. لا يوجد هناك علم يسمى علم البيولوجيا التطورية بالمناسبة و قد أجابنا العلماء عن سبب وجود الزائدة الدودية واللوز منذ سنين عديدة ولم تعد تعتبر من العيوب الخلقية أو بقايا التطور بالمناسبة وثبتت فائدتها لجسم الانسان.

حوار إبليس الوهمي مع جبريل و خيالات أحمد مراد عن نظرية الخلق وسبب خلق الانسان وسبب وجود الشر ربما لا تعجبنا ولكنها رؤية كاتب وتحترم كما أن بعضها قد يساورنا في أثناء محاورات الأصدقاء العادية إلا إنها لا تحمل فلسفة عظيمة في طياتها. مجرد كلام مرسل بلا منطق قوي يحميه. ربما كان علينا سؤال الكاتب نفسه عن رؤيته لابليس وآدم عله يجيب بأفضل مما كتب في هذه الرواية.

حشو جنسي مرهق وتفاصيل قد لا تروق لكثير من القراء خاصة النساء حيث يتعامل نديم مع المرأة باحتقار شديد ويعتبرها وسيلة للجنس لا أكثر وربما كفر عن خطيئته في آخر الرواية ولكن ربما هي الكارما أو فكر الكاتب في إثبات خطأ الفكرة بالاسهاب في تفاصيلها.

الرواية في مجملها تجارية و تخاطب الجيل الناشئ من الشباب الذي قد لا يحمل من العلم والثقافة ما يؤهله لنقض الكثير من الأفكار المغلوطة في الرواية ولكن هذه هي الرواية يا عزيزي. إذا كان عليك القراءة في الالحاد فعليك القراءة في الدين و العقيدة أيضا إذا كنت محبا للقراءة حقا أما إذا كنت تريد استقاء معلوماتك العلمية والدينية من أحمد مراد فربما عليك مراجعة نفسك.

لا ننتقص من أحمد مراد ككاتب شاب يجيد الحبكة الروائية في زمن شح في الكتاب الجيدين حقا ويكفي أنه أقنعني بشراء الرواية و استمرار قراءتها من أجل التسلية فقط ليس إلا لذا لا نعول على فكره كثيرا إن كان هذا حقا فكر الكاتب ولكن كأي قارئ متواضع فأنا أقوم بالفصل جيدا بين شخصية الكاتب وشخصية بطل الرواية وأتمنى أن يكون أحمد مراد الحقيقي على النقيض من نديم الذي يهوى اصطياد بقايا النساء الشبقات و يحتقر الإله بكل جوارحه.

وفي النهاية نتمنى أن نقوم قد قدمنا تقريرا وافيا للرواية ونعود إليكم في مقالات أخرى مع روايات أخرى ونعتذر عن أي حرق للأحداث.

  • 1142
  • 1,891

Submit your articles

Submit your articles now to Orrec.