قصة قصيرة عن معنى الشتاء لكل منا

قصة قصيرة عن معنى الشتاء لكل منا



جلسَت على أريكتها الزرقاء مسدلة شعرها على ذراع الأريكة وهي تنظر لقطرات السيل على الزجاج لشرفتها، وأخذت تتأمل وتحملق بعينيها الزرقاوتين وتتتبع كل قطرة نزولا حتى نهاية خط حدود الزجاج التي تتلاقى مع انعكاس الضوء بالخارج على أرضية المنزل.

و أخذت تفكر داخل عقلها الصافي – الذي يحلو له الاسترخاء أمام هذا المشهد كلما تكرر بنفس استرخاء الجلوس في حمام ماء دافيء قبل النوم- ، وتقول بصوت داخلي: "أتسائل دوما، هل من أحد لا يحب المطر؟!"

"يمكن أن يكون الجو بارد قاسي على البعض، لكنه يظل رزق وفرح وأحيانا دمع ولكن دمع سعادة وابتهاج. لا يمكن أن نكره كل ما في المطر!! لكن من الممكن ألا نكون أقوياء لمواجهة ما به وقر."

"يمكنني أن أُقنع من يكره المطر بحبه، حينما أريه كيف يحلو المطر بالصحبة والسمر، وإن أريته جمال المطر المتساقط على سقف بيتي وعلى "عتبة" بابي وعلى شارع حيّي وعلى التربة الخصبة ينسدل."

و بينما هي مستغرقة في تفكيرها، أتى إليها زوجها يداعبها بقوله:"كم أود أن أعرف لم تحبين المطر والشتاء كل هذا القدر؟! فأنا لا أطيق البرد، وأراك أنت كذلك ترتجفين وتغطين نفسك ب3 قطع ملابس وأكثر بجانب الغطاء والوشاح والمدفئة، فقولي لي ما تحبين فيه؟"

نظرت إليه مبتسمة وقالت:" حينما أمد أطراف أصابعي من تحت باب نافذتي، أحب دغدغة المطرعلى أناملي، لأشعر بحيويته وحريته بالخارج يتراقص ويلمع كاللآليء، فهو جميل، جريء، ويجعل جميع من سواه يستحي ويستتر."

فقال لها:" قطعا، إن فكرت فيه كما تصفينه هكذا فسأحبه، ولكن هذا خيال عميق وأفق بعيد طويل، أتمنى لو أن لي مثلك هذا الصرح الواسع من التسامح والأمل"

قالت له:" حاول! يمكن أن تنجح، قل لي وأفصح عما يجول في خاطرك عن هذا الصديق الذي أدعوه مطر؟"

قال لها:"لنرى... ماذا يمكن أن أقول عن المطر؟، أهو عذاب أم عتاب؟

فـ العذاب هو من حب مزيف، كره وبغض، والعتاب من المحبة، التقدير والبقاء على من لهم قيمة في حياتنا،

 و يمكن أن يكون ابتلاء...

 فهو جامع بين ما يبدو عليه أنه شر وما يكمن به الحب،

فبنظري.. هو لكل عين صورة مختلفة تماما، لكنه واحد لكثير من الناس الذين يستمتعون بمنظره ويخافون رطوبته، لكن لا يحبذوه."

فقالت له:" أفهمك، ولكن لنرى معا ماذا يحدث حينما يهطل المطر، ويمكن أن نحكم عليه وقتها بطريقة أفضل. فإنه يغدق على الناس ويسكّر الأرض بعذوبته فيزيدها زهوا، فهو صَوب ووَدَق، يجود على الروح بغُسل للمآسي، وابل يسيل على وجنة الباكي، طلٌّ يعيد للوجه جماله عند الإشراقِ."

*****************************

قصة قصيرة عن معنى الشتاء لكل منا


 ((قصة الجدة مع حفيدتها تعطيها درسا عن المطر))

قالت لي جدتي: "هل تعلمين يا صغيرتي؟ المطر صوته يشبه الضرب بالأصابع على راحة اليد، قلت:"يا جدتي أتهزين أم هو جدّ؟" قالت:"إصبع واحد على الكف، تقطر لننظر وعن الكلام نكُفّ، إصبعان اثنان، يستطيع أن يميزه "السمعان"، ثلاثة أصابع ويدوم، نعلم أنه ممطر هو اليوم، أربعة اصابع أشد، نستعد لسيل ورعد، خمسة أصابع أخيرا، شارفت النهاية ولن تدوم طويلا.

"أتحبين المطرأم تخافيه يا حبيبة؟ أتحبين أن تضرب مستنقعات المطر في الوديان بقدمك؟ أم تخافين أن يتسخ حذاءك؟، أتحبين أن تقفي به فتبتلين؟ أم تركني إلى شجرة أو مبنى لتستظلين؟، أتحبين أن تشعري به على وجهك فتضحكين؟ أم تشاهديه من خلف نافذتك ومعك صحنك الساخن؟، أتحبين أن تواجهي برده وتمشي تحته حرة، مستقِلَّة، أبيّة؟ أم تفضلين أن تأمني ثلجه وتكتفي برائحته؟

هذا قرارك، ليس قراري، فالمطر مطر مهما جالت حوله الأفكار، لكن ليس للكل هو سواء، فيمكن أن يكون للبعض غيث وللبعض إنذار."

فأجابت الحفيدة:"أحببت المطر من صغري، لربما لأنه يسبب في بعض الأحيان أن نأخذ اليوم عطلة، لكني أيضا أحببت أن تمطر بعد انتهاء اليوم الدراسي، لأني كنت أحب أن أشعر بالسماء تقطر فوق رأسي، لكن بعد أن كبرت أصبحت إما أني لا أكترث به ولا أميز أتمطر بغزارة أم لا رغم أني أسير تحته، أو أني أخاف أن يصيبني برده وتعبه، لكن مازال له عندي مكانة عالية، فهو نجدة ورأفة ورسالة حب غالية."

ثم أكملت:" ولكني يمكن أن أقول أني أتذكر له معي ذكرى كانت لي أول فترة النضج في التفكير، ذات يوم وأنا عائدة للبيت من مكان قريب، أمطَرَ اللهُ السماء، فابتللت، ثم أمسَكَت، ثم عاد المطر واشتد السيل، وبعدها وصلت عند عتبة بابا بيتي، فجلست بالخارج انتظر لتجف ملابسي وبشرتي، وما أن هدأت السيول وسكَنَت، دخلت المنزل وفتحت نافذتي ورأيتها بسمَت. فحمدت الله أن أينع الوادي وفاض حينما.. رأى بكاء السماء ازداد، فامتص الوادي منها الصدمات.. ففرحت أن وجدت لها صديق صدره يسع الآهات، فراحت تحنو وتقطر لتسمعه ما هو حقا مقفر..، ثم دخلت غرفتي وقلت بصوت خافت أحدث به نفسي: كم أشتاق في الصيف للمطر..

 فإن هطل.. يكون كرسالة حبيب تطمئننا أنه بخير، وأنه سيعود حتما ولا مفر، وكم أود أن أتشبع منه في الشتاء قبل أن يمضي ويمر،

 لكنه عزيز، لا ينزل إلا بقدر، ولا يأتي إلاو قبله أو بعده خبر، صوت يدوِّي في الأرجاء، ضوء "ينوّر" كل الأنحاء، سحاب يتراكم في السماء، ينذر ويبشر كلاهما متلازمان سواء.فحقا يا جدتي أنا مؤمنة بأنه يأتي المطر ليحل المشاكل حين تجتمع بسببه الأسر في بيوتها..

فإن كان فيهم متشاحنان يصطلحا، وإن كان فيهم متاحبان متخاصمان يجتمعا، ويأتي فيهديء من روع الرياح الساخنة والأتربة، فيعم بعده الهدوء ويُثلج الصدور، يحل مجاعات ويزيح العطش، حقا هو بطل جميع الأوقات."

فأسعدت كلمات الصغيرة جدتها، وقالت لها:"حقا، كم أنا سعيدة لهذا العقل الجميل في أن يفكر هكذا ومسرورة كم أنه كَبُر! ."


قصة قصيرة عن معنى الشتاء لكل منا


  • Share

    • 58
    • 1,867