كيف تكون عبداً ربانياً وليس - فقط - عبداً رمضانياً

كيف تكون عبداً ربانياً وليس - فقط - عبداً رمضانياً

 

إن العبد الرباني، هو الذي يعبد الله - تبارك وتعالى- السنة كلها، قيل لبشر الحافي: “إن قوما يجتهدون ويتعبدون لله - جل وعلا- في رمضان وحده؟” فقال: “بئس القوم قوم لا يعرفون الله حقا إلا في رمضان”. إن العبد المجتهد الذي يتعبد ويجتهد السنة كلها. فهكذا فكونوا - عباد الله- ، رمضان فرصة أدركناها بفضل الله - تبارك وتعالى- علينا، وأنعم الله - عز وجل- علينا بإتمامها

نحن نحتاج - عباد الله- والله- أن نتعبد لله - تبارك وتعالى- في كل وقت وفي كل حين، نستمر على طاعة الله - جل وعلا- ؛ كما كان حال رسولنا - صلى الله عليه وسلم- ، كان النبي - صلى الله عليه وسلم- عمله ديمة صلوات الله وسلامه عليه، يتعبد لله - جل وعلا- ، ويجتهد السنة كلها.


كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يقوم كل ليلة من ليالي العام بإحدى عشر ركعة - عليه الصلاة والسلام- ، حتى تورمت قدماه الشريفتان، وكان يقول: "أفلا أكون عبدا شكورا". 


لم يتوقف القيام على قيام رمضان، ولم يتوقف الصيام على صيام رمضان، ولم تتوقف تلاوة القرآن على تلاوة القرآن في رمضان، إنما العبد المجتهد، العبد الذي يعلم أن وجوده في هذه الدنيا أياما معدودات بعدها سيرحل إلى ربه - تبارك وتعالى- هذا العبد لا يضيع من عمره من وقته ن حياته فرصة في غير طاعة الله - جل جلاله وتقدست أسماؤه- .

ما أجمل أن تكون معيشتنا وخلقنا كله لله، ونكون في زمرة عباد الرحمن في الحياة الدنيا،و في صَحْب الأتقياء في الآخرة وننال رحمته يوم لا ظل إلا ظله!

القليل منا يفهم معنى كلمة عبد حق الفهم، فكلنا نردد اننا عبادا لله - سبحانه وتعالى- ، لكن ما هو المعنى؟

 و ما هو الدليل على تطبيقنا له؟

 إن أردنا أن نفهم عبوديتنا لله- جل وعلا- ، فلم لا ننظر لما كنا سنفعله إن كنا عبادا لأحد من البشر منا!؟

......

 العبودية للبشر قطعا شيء لا نتمناه على أنفسنا أو لأحد،

 و حاشا لله- جل في علاه- ، عبوديتنا لله- سبحانه- لا تقارن بغيرها، ولكن... لنفهم ما يتحتم علينا تجاه مالكنا "الله- سبحانه- "، فلننظر لما كنا سنفعل تجاه مالكنا كإنسان، وما الفرق بين ما نحن عليه تجاه الله الآن وما كنا لنكون عليه إذا استعبدنا إنسان؟؟

فالعبد لا يمكنه فعل ما يريد، ويتصرف طبقا لما يمليه عليه مالكه، وأحيانا لا يتحرك أو يسكن إلا بأمر منه، وإذا قام العبد بفعل ما يشاء، إذا هو حر وليس عبدا، فالشيء الوحيد الذي يجعل العبد عبدا هو أنه يقوم بفعل ما يريده سيده، لا ما يريده هو أو ما يهوى ويشتهي.

فإن كنا نريد هداية الله- جل وعلا- و نذعن بأنَّا عباده، فيجب أن نرضى لأنفسنا أن نكون عبادا له كما نرضى بأن يكون هو ربنا ومالكنا.

و حينما نقول أن الله- عز وجل- لا يقارن بمالك هذا لأنه رحمن رحيم، فكتب على نفسه الرحمة، ولم يكتفي بصفة رحمة واحدة كباقي الصفات يمكن أن يتصف بها إنسان بنسب مختلفة، ولكن وصف نفسه بصفة أخرى لا يمكن أن تطلق على أحد سواه، ألا وهي"الرحمن".

فما بالك بمن فهم كونه عبد، وكيف يكون عبدا مخلصا لله- عز وجل- ثم يعلى بدرجته ليكون عبدا للرحمن؟؟؟؟

 وكيف أن من رحمته - تعالى- جعلهم عبادا له؟هؤلاء الذين أطلق عليهم الله في كتابه"عباد الرحمن"، ووصفهم بقوله تعالى:(الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا)، فهم كلهم سكينة وتواضع لربهم وتواضع مع غيرهم، وقال عنهم- تعالى- (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا)، فهداية الله لهم تظهر في كيف أنهم لا يردون على الأذى بمثله ويترفعون عن فعل من يضرهم بأي شر، (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) فلا يضرون أنفسهم بالأفعال المهلكة ولا يتعدى ضررهم لغيرهم وإن كان في الرد على مسيئتهم لهم.

قال الكفوي: الإفراط هو التجاوز عن الحد ويقابله التفريط، ويؤخذ منه أن التفريط: هو التقصير والوقوف دون الحد في الأمور، فإذا كان حد الاعتدال في أمر من الأمور هو عشر درجات كان الإفراط تجاوز ذلك إلى إحدى عشرة فما فوقها، وكان التفريط هو تحصيل تسع فما دونها. وقيل: التفريط في الأمر: التقصير فيه، وتضييعه حتى يفوت.

الوسط هو العدل والخيار، هو أفضل الأمور وأحسنها وأجملها وأنفعها للناس. 


والاعتدال هو الاستواء والاستقامة والتوَسُّطُ بين حالَيْن؛ بين مجاوزةِ الحد المشروع والقصورِ عنه.


فالتوسط والاعتدال يعني فعل المطلوب والمأذون فيه من غير زيادة ولا نقصان؛ ذلك أن الزيادة على المطلوب في الأمر غلوّ وإفراط، والنّقص منه تقصير وتفريط، وكلُّ من الإفراط والتَّفريط انحراف وميْلٌ عن الجادّة والصواب. وخير الأمور أوسطها، وكِلا طرفيْ قصدِ الأمور ذميم.


ولا شك أن دينَ الإسلام دينُ توسّط واعتدال، لا إفراط فيه ولا تفريط، ولا غلو فيه ولا جفاء. شريعته خاتمة الشرائع، أنزلها الله للناس كافة، في مشارق الأرض ومغاربها، للذكر والأنثى، والقوي والضعيف، والغني والفقير، والعالم والجاهل، والصحيح والمريض. 

(وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) قائمين ساجدين لله في الليل، يتفردون بفعل الطاعات الرفيعة لمالكهم، فهم عباده، يتوقون لإرضائه دوما، يخافون عقابه كما في قوله تعالى:(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ)، ويقرون لله بالربوبية والإلوهية أيضا(وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ(،(وَالَذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا)،فالذكري تنفع المؤمنين.

كونهم عباد للرحمن لا يعني أنهم لا يتمتعون بمتع الحياة أو لا يطلبونها، فقد قال الله تعالى عنهم:(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)، فهم أناس عاديون ولكن فقط يطيعوا ربهم ويعبدوا مالكهم حق العبادة، وكل هذا يهُون مهما كان سهل أو صعب عندما نسمع المولى يذكر جزاءهم في الآخرة ويقول تعالى:(أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا. خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا)،فالله كريم، والكريم إذا أعطى أدهش.

إذا تأملنا ما ذكر الله في وصف هؤلاءالصفوة، ندرك أنها صفات طيبة يمكن أن نجعلها فينا وننال نفس ثوابهم، والله يضاعف لمن يشاء، فقد ذكر الله في وصفهم بالتواضع والسكينة والوقار، ثم تبعها بعفة اللسان وسلامة النية مع الغير وحسن الظن في الآخرين، فكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أَنا زَعِيمٌ ببَيتٍ في ربَضِ الجنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَببيتٍ في وَسَطِ الجنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ وإِن كَانَ مازِحًا، وَببيتٍ في أعلَى الجَنَّةِ لِمَن حَسُنَ خُلُقُهُ)،فالرد على الغير بالخير او ترك الكلام ان كان به لغو ومراء صفة ننال بها رضا الله وجنته لا شك، ووصفهم الله أيضا بالتفاني في العبادات والإخلاص لله وذكره وشكره ورجائه، وختم الوصف ب الاعتدال في استخدام النعم والدعاء بامتلاك حسن النعم وضمان الآخرة والجنة لهم.

أسأل الله لي ولكم بشمولنا في عباد الرحمن وأهل القرآن وأن ننال رضا العزيز المنان، الرحمن على العرش استوى. وأن يتقبل الله منا عبادات شهر رمضان وطاعات وصالحات باقي شهور العام. آمين



  • Share

    • 47
    • 1,456