لماذا لا يتواضع الجهلاء؟

في عام 1995 وفي مدينة بطرسبرج ، ولاية بينسيلفينيا الأمريكية ، قام رجل يدعى (ماكأرثر ويلر) بسرقة بنك في وضح النهار وتحت تهديد السلاح، لم يكتفي ويلر بسرقة بنك واحد بل قام بسرقة بنك آخر بعد فترة قصيرة ورحل هاربا بالأموال. قامت كاميرات المراقبة في كلا البنكين بتسجيل عملية السرقة ثم قررت السلطات المحلية اذاعة شريط الحادث على قنوات التلفاز في أخبار الحادية عشرة مساء نظرا لأن وجه اللص كان في غاية الوضوح بدون أي محاولة تنكر. تعرف أحد الأشخاص على اللص وقام بابلاغ السلطات التي ألقت القبض عليه في نفس الليلة. الغريب في الأمر هو انزعاج اللص الشديد من تمكن السلطات بالقبض عليه في ذات الليلة وبدون أي صعوبة تذكر وخاصة أنه ظل يؤكد أنه كان مختفيا عن الأعين باستخدام عصير الليمون!. اعتقد السيد ويلر أن عصير الليمون يمكنه اخفاؤه تماما وذلك للحيلة البدائية التي يتعلمها الأطفال في المدارس عن طريق استخدام عصير الليمون في الكتابة كحبر سري وعند تعريضه لبعض الحرارة يتغير لونه وتتضح الكتابة السرية. قام السيد ويلر بدهان نفسه بالكامل بعصير الليمون ظنا منه أنه أصبح خفيا عن الأعين.


الطريف في الأمر هو أن السيد ويلر لم يكن يعاني من أي أمراض عقلية أو نفسية معروفه في عصره ولكن تمت دراسة الحالة لاحقا والتعرف على مرض نفسي شائع يتم تصنيفه كنوع من أمراض التأخر العقلي والفشل في إدراك الإدراك. المرض الجديد كان نتاج دراسة في عام 1999 باسم (غير كفؤ ولا يعلم بجهله) للعالمين (ديفيد دانينج) و (جاستن كروجر) وتم تسميته على اسميهما (تأثير دانينجر و كروجر). 

يتلخص (تأثير دانينج و كروجر) كمرض عقلي ونفسي يمكن أن يعاني منه أي شخص بدون 
ان يتعرف حتى على مرضه ويقوم بربط علاقة سببية بين جهل الشخص وغبائه على المحور الأفقي وارتفاع ثقته بنفسه على المحور الرأسي حيث تقل الثقة المطلقة بالنفس تدريجيا كلما ازداد الشخص علما كما هو موضح بالصورة.

كما هو موضح بالرسم البياني فإن ثقة الشخص الجاهل بنفسه تصل عنان السماء في حال جهله المطبق وتنخفض تدريجيا لتصل لأدنى مستوياتها في حال وجود خبرة أو علم متوسط ثم تزداد مرة أخرى بازدياد العلم و المعرفة.


الدراسة الطريفة أثارت زوبعة علمية من بعدها وتبعتها عدة دراسات جدية لدراسة هذا المرض النفسي و العقلي وأدت لتفسيرات أفضل لحالات غريبة كان يعدها البشر من الطرائف قبل أن يوضع تفسير علمي لها. مثال على هذا برامج المواهب حيث يمكنك ايجاد نمط متكرر لبعض المتسابقين الذين يظهرون على الجمهور لتأدية فقرة غنائية أو كوميدية رغم قبح أصواتهم الشديد وعدم اجادتهم أبسط قواعد الغناء بل قد يصل البعض لقمة النجومية والشهرة حيث يتم تصنيفهم كمادة كوميدية دائمة على موائد الشبكات الاجتماعية و الأمثلة كثيرة مثل مغنية مغمورة قامت بنشر أغنية بعنوان (ركبني المرجيحة). المطربة المغمورة أثارت زوبعة من السخرية على الشبكات الاجتماعية وذلك لقبح صوتها الشديد وعدم ترابط النغمات بالاضافة لمزيج آخر من التلوث البصري المؤذي للعين و الروح ويمكنك البحث عن الأغنية على موقع يوتيوب ونعتذر عن نشرها لكيلا نؤذي مشاعر القراء. كان رد المغنية الوحيد أن هناك الكثير من الحاقدين على نجاحها وأنها ستتحفنا بأغاني أخرى من نفس النوعية وندعو الله ألا تكون جادة في مسعاها.

الأغنية ليست وحيدة في مسار الاسفاف و الهراء الذي غرق فيه العالم العربي مؤخرا وقائمة المطربين و المطربات و الممثلين و الممثلات والكاتبين و الكاتبات تطول وتطول ولا تبدو لها نهاية. في يوم من الأيام تم اتهام أحمد عدوية بالاسفاف نتيجة لأغنيته الشهيرة (السح الدح امبو) حيث كان العالم العربي غارقا في نغمات أم كلثوم و عبد الحليم. مسرحية مدرسة المشاغبين كانت طفرة العصر في الفساد و افساد المجتمع و الأجيال وتم اتهامها على أصعدة عديدة بالاسفاف ومنعت لفترة غير قصيرة من الاذاعة على التلفزيون الرسمي المصري. الآن يمكننا وبكل أريحية أن نترحم على أيام أحمد عدوية و مدرسة المشاغبين بل وحتى شعبان عبد الرحيم المطرب الشعبي اللطيف ذو الزي المبهرج وأي شخص أبقى لنفسه ذرة احترام في قلوب و عقول المستمعين و المشاهدين.

الكارثة الكبرى هي أن تأثير دانينج و كروجر لا ينحصر فقط بمفهوم الاعلام و الأغنية الشعبية بل يتعداه لمناطق أكثر خطورة في كل مناحي الحياة. النمط يتكرر في السياسة، لدينا رجال سياسة لا يمتلكون أدنى مهارات السياسة في السياسة ونعني بها سياسة الشعب و الرعية بلا حكمة ولا تعقل في الكلام ولا في القرار السياسي الذي يعادي وبكل وضوح الرأي العام و الشارع وصرنا نترحم على الساسة الأقل غباء الذي حافظوا على شعرة معاوية بينهم وبين الشعب وبين شعبهم وشعوب الجيرة و الأخوة من العرب و افريقيا. صرنا نترحم على قادة الأمة الذين كنسهم الربيع العربي كأوراق الشجر الجافة ليستبدلهم بأشباه من الرجال لا يخافون في الكذب و الخيانة لومة لائم ويعصون الله ما أمرهم ولا يفعلون ما يؤمرون.

النمط يتكرر في الدين، استبدلنا الشيخ ميزو بالشيخ الشعراوي والشيخ الغزالي و الامام محمد عبده رحمة الله عليهم. صارت الفتوى الحميدة ما يبيح المنكر وما حرم الله وصار الجهاد قتل الأرامل و الأيتام ليلحقوا بذويهم. صار العدو صديقا و الأخ بعيدا و اختفت مكارم الأخلاق عن الساحة ليحل محلها نمط الداعية المتحرر الذي يبيح و يحرر ورضي عن الخبث من الناس ورضوا عنه. فتوى تحلل الخمر و أخرى تبيح ارضاع زميل العمل وأخرى تبيح نكاح الزوجة الميتة وآخرها فتاوي جهاد النكاح وقائمة طويلة بائسة من مشايخ السلطان أيا كان السلطان حتى لو كان الشيطان فسيجد له مشايخ و أتباع.

النمط يتكرر في العلم وكم من شيخ كبير و طفل صغير غرر به أبواه ليصعد منصات الاعلام ويتحفنا بهرائه العلمي عن القنابل النووية من العناصر الرديئة و النانو تيكنولوجي و لا مانع من تسطيح الأرض و تجويفها والعودة لنظريات اليونان القديمة حين كانت الأرض تحمل على صدفة سلحفاه و تتسبب عطسة من هذه السلحفاه في حدوث الزلازل و البراكين.

الأدب و الثقافة صارا نسيا منسيا و حل محلهما جماعة من مشاهير الكذب والهراء مع آلاف مؤلفة من (البوستات) و (اللايكات) و (شير في الخير) وصارت حياتنا عبارة عن جماعة من الحمقى على الفيسبوك و الواتساب ولا مانع من مئات الرسائل كل يوم عن معلومات طبية مغلوطة وقاتلة و الكثير من المنشورات الدينية التي تبوئ مقاعد الدرجة الأولى من النار. كذب في كذب وهراء وغثاء فكري ونفسي من أقرب الأقرباء ولا تجد في نفسك الا أن تقول حسبنا الله ونعم الوكيل. كيف تواجه العالم بمفردك وقد تحول العالم لحديقة فكرية لذوي الاحتياجات الخاصة من أشباه البشر ذوي الفكر الأجوف و الصوت العالي.

تأثير دانينج و كروجر لم يحل المسألة ولكنه كشف الحجاب عن أعيننا لنرى قبح هذا العالم والذي يتعاظم يوما بعد يوم في كل شيء وصار الملاذ الآمن لأي شخص ذو عقل وبصيرة أن يهرب بعقله لأي بلد غير عربي قبل أن تلحقه جحافل الزومبي و الغوغاء ويحولونه لمثلهم. لا يوجد ما تقرأ فتلجأ للقراءة بلغة أخرى غير العربية أو أي كتاب مترجم ولا يوجد ما يطرب أذنك فتبحث عن أغاني أم كلثوم و عبد الوهاب أو تهرب لأغاني البيتلز و بينك فلويد. لا يوجد من يملأ فراغك النفسي فتبحث عن حبل النجاة في صوت عبد الباسط أو الحصري. حتى الجمال صار قبحا وصار القبح جمالا وصرت تتعجب كيف كانت المرأة المصرية بهذا الجمال ولماذا تركت الجلباب أو الفستان لترتدي بنطالا ضيقا مليئ بالثقوب يكشف عن عوراتها في كل مكان من جسدها. 

المشكلة الأكبر هي اختفاء ذوي العقل والحكمة وخفوت صوتهم فصارت الامة بلا قائد وانقلب العلم و التكنولوجيا وباء علينا و وانزوى كل ذي عقل حكيم و قلب رهيف في ركن منعزل بعيدا عن ضوضاء الغوغاء و وجحافل الغباء وطبول حروب الجيل الخامس عشر ولا عزاء للعقلاء في وطن مات اكلينيكيا وصار الأمل في معجزة في زمن عزت فيه المعجزات.


  • 809
  • 1,408


Submit your articles

Submit your articles now to Orrec.