لماذا لا يمكن تطوير ذكاء صناعي ؟

في عام 2017 أجرى قسم تطوير الذكاء الصناعي لدى شركة (فيسبوك) تجربة معملية بين برنامجي (تشاتبوت) أي برامج متخصصة في الدردشة الذكية وكان هدف التجربة قيام البرنامجين بالمفاوضة حول صفقة ما. بدأت التجربة بجمل عادية للتفاوض ثم تطور الأمر لتصبح لغة التفاوض غير مفهومة مع تكرارات غريبة لبعض الكلمات غير ذات المعنى. أغلق العلماء التجربة فورا لدراسة نتائج المحاورة ولكن لم يتوصلوا لأي نتيجة سوى أن برامج ال(تشاتبوت) قد تطورت في ثوان قليلة لتخترع لغة مختصرة خاصة بها. ربما كان الأمر خدعة من فيسبوك وربما فشلت التجربة تماما وهو الراجح لدينا، إليك نص المحادثة بالانجليزية في هذا المقال

في نفس الوقت كان الروبوت (صوفيا) يجوب العالم (أو تجوب العالم إذا أشرنا إليها بلفظة المؤنث وهو خطأ غالب)، صوفيا تدعي أنها تقوم بمحاورات ذكية بالفعل ولكن العديد من علماء الذكاء الصناعي كان لهم رأي مغاير لرأي العامة في صوفيا حتى أن رئيس قسم تطوير الذكاء الصناعي لدى فيسبوك (يان لوكان) قد أعرب عن استيائه من حالة البروباجاندا الزائفة التي تنشرها صوفيا في كل مكان و أشار أن الأمر عندما يتعلق بذكاء صوفيا الصناعي فإنه أشبه ما يكون بشركات ضخمة تحاول اختراع سيارة ومازالت في مرحلة تطوير العجلات أو الهيكل ثم يأتي شخص ما ويدعي أنه قام ببناء سفينة فضاء. أشرنا من قبل لعملية الخداع الكبرى التي قامت بها صوفيا في هذا المقال وقد انخدع المواطن العربي بالفعل بهذه الآلة حتى أن الحكومة السعودية قامت بمنح صوفيا الجنسية السعودية بالفعل لتصبح أول مواطنة الكترونية في العالم !

الفشل الكبير الذي تعاني منه شركات عظمى مثل جوجل، فيسبوك، آي بي ام، وغيرها من المنظمات الجكومية وغير الحكومية يشير بقوة إلى فرضية استحالة تأسيس ذكاء صناعي حقيقي وسنعرض في هذا المقال تعريف الذكاء الصناعي الحقيقي ولماذا نعتقد باستحالة تحقيقه بالعلوم المتاحة للانسان في الوقت الحالي.

ما هو الذكاء الصناعي؟

الذكاء الصناعي هو مجال واسع من مجالات العلوم التي تعتني بتطوير أنظمة و آلات ذكية قادرة على التفكير بأسلوب منطقي و اتخاذ قرارات بناء على المنطق المستخدم و المعطيات المتاحة، في تعريف موقع (تيكوبيديا) للذكاء الصناعي فإن عملية تطوير ذكاء صناعي تتطلب من الآلة القيام بالعمليات التالية بشكل متكامل: التعرف على الحديث، القدرة على التعلم، القدرة على التخطيط، و المقدرة على حل المشاكل.

السؤال الذي يجب طرحه الآن هو: إذا كانت جميع المهارات السابقة متاحة في يومنا هذا للآلة فلماذا لا يمكن حتى الآن تطوير ذكاء صناعي؟

نعرف جميعا برنامج الترجمة الشهير (جوجل ترانسليت) و برامج المساعد الشخصي مثل (سيري) ولكن جميع هذه البرامج تبدو غبية حتى هذه اللحظة، يمكنك أن تقع بسهولة في براثن جوجل ترانسليت وترجماته الخاطئة و أيضا عدم مقدرة سيري على فهم الكثير مما تقوله ويبدو الامر بعيدا تماما عن الهدف الأساسي لتطوير ذكاء صناعي حقيقي. 

في القرن الماضي قدم العالم الشهير (ألان تورينج) أبو الحوسبة الحديثة تعريفا مختصرا للذكاء الصناعي وهو أن تقوم بمحادثة الكترونية على الحاسوب مع شخص ما فلا تستطيع اكتشاف أنه آلة ويستطيع خداعك لتظنه شخصا حقيقيا. الحقيقة أن تورينج اقترب كثيرا من إصابة كبد الحقيقة فالذكاء الصناعي في النهاية يجب أن يكون ذكاء بشريا. المشكلة الكبرى في أسس تطوير الذكاء الصناعي الحديثة هي المحاكاة الحقيقية لذكاء البشر والذي لا يستطيع العلماء تعريفه بدقة حتى الآن. 

ما هو الذكاء البشري؟

يمكننا محاولة تعريف الذكاء البشري باختصار بأنه نقيض الذكاء بوجه عام. الذكاء البشري يعتمد على عدة مكونات للنفس البشرية بالاضافة للعقل والخلايا العصبية والتي يبلغ عددها (100 مليار خلية عصبية في الدماغ الواحد). لا يعتبر المخ هو المكون الوحيد للذكاء البشري فهناك المكون النفسي أيضا حيث يكمن ذكاء البشر في نقصهم وسعيهم الدائم نحو الكمال والاستزادة من الدنيا و الآخرة كل حسب مسعاه. 

الانسان ذكي بوعيه ونواقصه و أهدافه في الحياة، الانسان يختلف عن الحيوان في رغبته في الاستزادة وقدرته على المحاكاة العقلية بالاضافة لقدرته الآنية على التعلم واكتساب مهارات وخبرات جديدة ولكن المكون الأهم في ذكاء الانسان هو الوعي، الانسان واع بما حوله ومن حوله، واع بنفسه وبالكون من حوله، الانسان مستعد لاتخاذ قرارات شجاعة لا تبنى على المنطق الصرف مثل التضحية بالنفس في سبيل الوطن، الانسان قادر على الحب و الكره، الانسان يريد أن يحس بالأمان و الصحبة، الانسان يريد أن ينجب ذرية له ليبقى اسمه خالدا من بعده، الانسان يمتلك حرية الارادة الكاملة في أن يأخذ أو يترك، يسرق أو يعمل، يظلم أو يعدل، و حتى أن يؤمن أو يكفر!. كيف للحاسب أن يؤمن أو يكفر. الانسان يملك حتى عدم الاختيار، يمكنك تخيير الانسان بين شيئين فلا يختار أي منهما. باختصار الانسان يستطيع التفكير خارج الصندوق ولا حدود لابداعه، يمكن للانسان أن يقوم بتجربة غير منطقية أو تعريض نفسه للخطر من أجل أهداف نفسية أسمى، الانسان يسمو بنفسه عن حاجات جسده طوال الوقت حتى في أعتى حالاته المادية.

لم نكن نبالغ عندما قلنا أن ذكاء الانسان هو نقيض الذكاء بوجه عام حيث يميل الانسان طوال خطى حياته لاتخاذ قرارات غير منطقية لا يمكن للحاسوب اتخاذها أبدا حيث ستؤدي لفنائه في النهاية، لا يمكن أن تجد حاسوبا مدخنا أو مدمنا على الكحول مثلا، الانسان يفعل هذا لأجل الاشباع النفسي وتحسين المزاج، يمكن للانسان أن يسافر لبلد أخرى بغرض السياحة وتمضية الوقت فقط، أي ذكاء في هذا من منطق الحاسوب؟ أي إنفاق الكثير من الأموال لزيارة بلد أخرى بغرض تمضية الوقت. الانسان قد يبذل الغالي والنفيس لارضاء انسان آخر (الحب و الزواج مثلا)، لماذا يريد الحاسوب انفاق أمواله من أجل صفقة غير رابحة في أغلب الأحيان ولن يستفيد منها شخصيا بل على العكس فإنها ستفيد غيره على حسابه، لماذا قد يستيقظ الحاسوب يوميا للذهاب للعمل من أجل إعالة زوجته و أبنائه؟. حياة الانسان مليئة بل تكاد تكون بعيدة بنسبة مائة في المائة عن المنطق المادي في اتخاذ القرارات.

الانسان طبيعة فيزيائية أم مزدوجة؟

يتعامل العقل الغربي المادي مع الانسان بطريقة فيزيائية مادية بحتة، مثلا لا تجد ذكرا للروح أبدا في أي دورية علمية وذلك لأننا لا نستطيع رؤية الروح بطبيعة الحال (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا). العقل المادي اختار تجاهل الروح تماما وعدم اعتبارها مكونا للانسان و التعامل مع الانسان بطبيعته المادية (خلايا عصبية، نواقل عصبية، هرمونات، مراكز الدماغ البشري) لا شيء آخر.

في تعريف الوعي و محاولة الوصول للحقيقة يمكنك أن تقرأ في هذا الرابط بعض المعلومات المفيدة في فهم و محاولة تعريف الوعي الانساني و الحقيقة أن الكثير من العلماء يقترحون ادخال الطبيعة المزدوجة في محاولة فهم خصائص الوعي البشري. الطبيعة المزدوجة تعني ببساطة وجود مادة و مكون آخر بجوار المادة، سمه الروح أو الطاقة أو ما شئت ولكن افتراضية الطبيعة المزدوجة هي واقع بالفعل في فيزياء اليوم وبالأخص الفيزياء الكمومية أو ميكانيكا الكم حيث يتميز أي جسيم فيزيائي بطبيعتين مادية و أخرى موجية حتى أن بعض الجسيمات يمكنها التبديل بين الطبيعتين في آن واحد مثل الفوتونات و الالكترونات، انظر الرابط. لماذا لا يمكن إذا التعامل مع الانسان بطبيعة مزدوجة؟ الحقيقة أن العقل المادي قد خسر الكثير نتيجة اقصاء المكون الروحي أو غير الفيزيائي من النفس البشرية ونعتقد أنه لهذا السبب فقد فشلت معظم محاولات تطوير ذكاء صناعي.

في معرض محاولات العقل المادي لتعريف الذكاء الانساني و العملية الانسانية النفسية بوجه عام ظهر اتجاه عام بتأويل جميع المشاكل النفسية التي يعاني منها الانسان بأسباب عضوية. لنفترض مثلا وجود شخص مهووس بالقتل (قاتل متسلسل أو مغتصب للأطفال أو قائد حربي مجنون لا يجد غضاضة في قتل المدنيين) فإن العقل المادي يريد تأويل مرض هذا الشخص بأسباب عضوية، هل يمكنك أن تخبرني بأي اختلاف عضوي في دماغ أي قاتل متسلسل عن الانسان العادي إذا؟ بالطبع كلا وقس عليه كل الميول النفسية للبشر سواء كانت في نطاق المسموح به مجتمعيا أو المرفوضة مثل القتل و الاغتصاب و التحرش و الرغبة في إيذاء الغير. النظرية المادية فشلت في تقديم دليل مادي أو تجريبي على وجود أسباب عضوية وراء الميول النفسية المريضة و الصحيحة للانسان وبالتالي عدم وجود تفسير و فهم كاملين للعقل البشري.

ما الاختلاف بين الانسان و الآلة:

هناك العديد من الاختلافات الجوهرية بين الانسان و الآلة في نطاق الذكاء الصناعي ومراحل اتخاذ القرار. مثلا فإن الآلة لا يمكنها التصرف من نفسها حيث يحتاج الحاسوب دوما لمحفز أو أمر خاص للتصرف في خلاله، يجب عليك اعطاء أمر للحاسوب للتصرف مثل ضغط زرار التشغيل فأنت تدفع الحاسب أو الآلة للتشغيل، يجب عليك أيضا اعطاء الحاسوب أوامر لاجراء عملية حسابية معينة فيقوم باجرائها ولكن يستحيل على الحاسوب التصرف من نفسه ولن يقوم مثلا باجراء عملية حسابية من نفسه وبدون محفز خارجي واع و هادف. حتى جميع البرامج التي تعمل من حولك وتحاول تحليل أي أنشطة تفعلها أو تحليل ميولك النفسية (مثل برامج التتبع أو الكوكيز أو حتى الشبكات الاجتماعية المختلفية) فهي في الأساس برامج تعمل على أساس ترقب محفز ما بطريقة معينة لتتصرف على أساسه (قيامك بزيارة أحد المواقع أو البحث عن مقصد للسفر و السياحة) وهذا هو أحد الاختلافات الجوهرية بين الانسان و الآلة فالانسان يمكنه أن يتصرف بدون محفز لغرض اشباع رغبة ما بداخله أو تحقيق غاية ما ولكن الحاسب لا يمتلك تلك الأنا أو المحفز الداخلي.

لا تستطيع الآلة التفكير خارج الصندوق فلا يمكن مثلا للحاسوب أن يفكر خارج نطاق الاختيارات المتاحة لديه والتي تمت برمجتها مسبقا ولا يمكنه الاتيان بحل مبتكر جديد بينما الانسان يبحث طوال الوقت عن اختيارات جديدة ويستطيع الاتيان بحلول جديدة مبتكرة لم تكن مطروحة من قبل.

الانسان يمكنه أن يكذب، يخدع، يغش، والحاسب لا يمكنه هذا بكل بساطة وعلى الرغم من بغضك للصفات السابق ذكرها بطبيعة الحال فإن هذه الصفات هي مكون بشري بامتياز وقد تفيدك في بعض الأحيان في تفادي مواقف محرجة أو النجاة من هلاك محقق، الانسان يفاضل في عقله بين الأفضل لمنفعته الخاصة ويتصرف على هذا الأساس ويمكنه التصرف بطريقة سيئة أو غير أخلاقية للوصول لهدف أو غاية.

الانسان يمكنه الاجابة بنعم أو لا أو ربما أو أي اجابة أخرى لا تنطوي على موقف صريح تجاه قضية ما على عكس الحاسوب الذي يجب أن يجاوب بنعم أو لا فقط. لا مجال للحاسوب لاتخاذ قرارات غير مبنية على معرفة كاملة و صريحة، حتى أساليب توليد الرموز العشوائية في الحاسب فهي غير عشوائية ويمكن توقعها إذا فهمت المنطق الذي يتعامل به الحاسوب. الحاسوب يمتلك فقط احتمالات ذات أرقام مثل 70% أو 15% ولا يمكنه الخوض في قرارات مبنية على احتمالات أقل من 50% نجاح في حال تخييره بينما الأنسان يمكنه أن يقامر و يختار بكامل ارادته التعامل باحتمالات ضئيلة للغاية طمعا في جائزة كبيرة.

إذا هل يمكن تطوير ذكاء صناعي بالفعل؟

الحقيقة أن الذكاء الصناعي موجود حولنا في كل مكان بالفعل ولكن على صورة أكثر عملية بعيدا عن خيالات الأفلام. الشبكات الاجتماعية تقوم بجمع معلومات عنك طوال الوقت وتقوم بتقديم اقتراحات وتفضيلات مبنية على اختياراتك و خبراتك السابقة ونشاطاتك و أوامر البحث التي قمت بها وحتى الأماكن التي قمت بزيارتها وتفضيلات أصدقائك، شركات كبرى قامت بخطوات كبيرة في تطوير نظم قيادة آلية للسيارات مثل جوجل و تيسلا وحتى شركة أوبر، المساعد الشخصي (سيري) ومساعد جوجل الشخصي أيضا يتعاملان معك بذكاء ويحاولون الاجابة على أسئلتك ومساعدتك. كل هذه وغيرها هي أنواع من الذكاء الصناعي ولكن تبقى جميعها أنظمة ذات هدف محدد ويتم تطويرها باستمرار من قبل البشر للحصول على نتائج بحث أفضل أو الوصول لمساعدة أفضل في أداء مهامك ولا تملك كينونة خاصة بداخلها.

تطوير ذكاء بشري على الجانب الآخر يستلزم التمسك بالطبيعة البشرية بمميزاتها ونواقصها وفي هذه الحالة سيستلزم لوجود ذكاء صناعي شبه بشري أن يستطيع الحاسوب المناورة و الخداع و الكذب و السعي وراء تحقيق الذات و أيضا انكار الذات في أحيان كثيرة و التمتع بوازع اخلاقي و إيجاد أخلاقيات وقوانين داخلية وتنظيم مجتمعات حوسبية تعني بتنظيم القطيع والكيانات الأصغر و استيفاء نظام اجتماعي حاسوبي. جميع ما سبق يخبرنا بأن الذكاء الصناعي و البشري لا يلتقيان بل انهما متعاكسان في أغلب الأحيان ويعتمد كل منهما على منطقه الخاص وإذا كان للانسان أن يتخلى عن مشاعره و نظامه الاجتماعي و دوافعه الأخلاقية و غير الأخلاقية فإن في هذه الحالة يمكن للحاسوب أن يتمتع بصفات البشر وهي حالة استحالة في كل الأحوال ولذلك لا نعتقد في امكانية تطوير ذكاء صناعي في هذا الوقت أو في أي وقت كان. يمكنك أيضا تصفح الرابط لقراءة هذا المقال عن أساليب ونظريات تطوير الذكاء الصناعي التي اقترحها الباحثون، اضغط الرابط

  • 603
  • 1,352

Submit your articles

Submit your articles now to Orrec.