لماذا نجح المسلمون و فشل العرب ؟

من امبراطورية لا تغيب عنها الشمس إلى دويلات ضعيفة متفرقة تناطح بعضها بعضا. حكم ديكتاتوري في معظم - إن لم يكن كل - البلدان العربية. تنظيمات جهادية في كل مكان. سقوط كل من سوريا و العراق عاصمتي العالم الاسلامي في عصور الدولتين الأموية و العباسية على حد سواء. انتشار المجاعات و الفقر و الجهل و المرض. عزوف اقتصادي و سياحي عالمي عن الاستثمار في الدول العربية. أطفال اليمن يقتلون بنيران أبناء عمومتهم و السودان تنقسم لدولتين متحاربتين. تهديدات لمصر بقطع مياه النيل من دول المنبع. تدخل أمريكي سافر في الشئون الداخلية لكل الدول العربية تقريبا و إن لم تكن أمريكا فستحل روسيا ضيفا ثقيلا وكأن العرب لا يحيون بلا سيد. عقلية العبيد تتغلب على فطرة العزة و الكرامة وتمسح بجرة قلم كل أشعار امرؤ القيس و عنترة و المتنبي. لا مجال للفخر هنا ولا المباهاة فلا شيء نفخر به الآن. 

في الماضي الغير بعيد كان يمكن للخليفة العباسي أن تجبى إليه كنوز الأرض من الصين و الهند شرقا وحتى الأندلس غربا. وقف طارق بن زياد على شاطئ الأطلسي يقول (والله لو علمت أن وراءك أرضا لغزوتك). لم يكن العالم حينها متأكدا من شائعة وجود قارتين كبيرتين على الضفة الأخرى من المحيط ووقف المسلمين عند حدود العالم الذي عرفوه لكي يتساءلوا عن وجود عوالم أخرى ليجاهدوا فيها وينشروا فيها كلمة الحق. 

المسلمون يؤلفون في جميع العلوم ويتسابق العلماء و الأدباء على جوائز الخليفة وعطاياه حيث كانت توزن كتبهم ذهبا. اكتشفوا علوم الجبر و القياس و الفلك و الطب و الصيدلة. علموا الناس أدب المعاملة و الأمانة و الشهامة و ألفوا في الاجتماع و الفلسفة و المنطق وترجموا وشرحوا مؤلفات السابقين من فلاسفة اليونان ليعلموها للغرب أنفسهم. حتى في أكثر لحظات تاريخ المسلمين حلاكا و سوادا كان المسلمون ينهضون ليصدوا هجمة التتار على العالم المتحضر وينقذوا العالم من كارثة محققة. وقف المسلمون صناديد في وجه الحملات الصليبية و دخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وظلت أرض القدس عربية كما كانت وكما ستكون. هذا وعد الله لعباده قد تحقق وقد قاتل المسلمون أئمة الكفر و الضلال فعذبهم الله بأيدي المسلمين ونصر كلمته و شفى صدور قوم مؤمنين. 

كان المسلمون سلاما على كل أرض يدخلونها يحقون  الحق و يعلون راية العدل وكان الرجل المسيحي المصري البسيط يذهب ل (عمر بن الخطا) خليفة المسلمين ليشكو له ظلم (بن العاص) فيأتي الخليفة بعمرو ويقتص للمسيحي من والي مصر بكل بساطة. كانت المرأة المسيحية تشكو لصلاح الدين فقد ولدها فينزل عن فرسه ويأمر جنوده بالبحث عن ابنها ولا يبرح مكانه حتى يجدوه ويردوه اليها. دول كاملة أسلمت بدون رفع السيف ولا اراقة قطرة دماء، ماليزيا و اندونيسيا و الكثير من مقاطعات الصين، لم يكن يعوزهم جيش ولا رسول ولكن كانت تكفيهم أخلاق التجار المسلمين لتقنعهم بنقاء و صفاء الدين الجديد.

ماذا حدث؟

يدور التاريخ دورته و تنقلب كفوف الموازين وتجري سنة الله في عباده بالتبديل و رفع أمم و الحط من أمم أخرى حتى لو كانت تلك الأمم عباد الله و نصرة دينه ولكن الله لا يرضى بالتخاذل ولا التكاسل. لم يرض الله للمسلمين أن يظلوا سادة العالم وقد تفشت الفرقة والتشرذم وصار المسلم يستعين بالكافر على أخيه المسلم وانقلبت الدولة الموحدة الكبيرة لامارات صغيرة متناحرة تحارب بعضها بعضا وبدأت الدولة الاسلامية في الانهيار من بعد عصور المماليك ومرورا بالدولة الفاطمية و حتى الدولة العثمانية التي بقيت صامدة قرابة الستمائة عام لتسقط الخلافة العثمانية أخيرا على يد (أتاتورك) ليضع القشة التي قصمت ظهر البعير ولا يمكننا لوم أتاتورك هنا فالخلافة العثمانية كانت لتسقط بأتاتورك أو بغيره على كل حال.

يتبقى السؤال الأول: ما الذي أدى لنجاح الفكرة الاسلامية تاريخيا وفشل الفكرة العربية؟

الحقيقة أن المقارنة بين كلتا الفكرتين هي مقارنة في غير محلها تماما ففي حال الفكرة الاسلامية فاننا نتحدث عن دولة ذات هوية قوية و عقيدة راسخة وفكر أيديولوجي توسعي قادر على الانتشار وتخطي حدود العرق و اللون وحتى الدين. الفكرة الاسلامية كانت تتلخص في نشر الدين الاسلامي واعتبار أن العقيدة الجهادية مسألة حياة أو موت للدولة الوليدة وكان نشر الاسلام ينطوي ضمنيا على نشر مبادئ الاسلام في صورتها الكبرى مثلا العدالة والمساواة بين الأعراق وجعل معيار المواطن هو العدل و التعايش وتقبل الآخر بالاضافة للحرية الدينية (لا إكراه في الدين). 

كذلك حضت الفكرة الاسلامية على العمل و السعي وراء الرزق ونبذ التكاسل فكان كل يعمل في مضماره. علماء الدين يتسابقون لتفسير كتاب الله وجمع الأحاديث النبوية و التأليف في الفقه و العقيدة و المعاملات. علماء الفلسفة يتسابقون في الترجمة عن القدماء ونشر العلم و الحضارة في مؤلفات ثرية. علماء الأحياء و الفلك يتسابقون في تأليف العلوم ووضع المنهاج العلمي التجريبي القويم. جميع الأفكار الانسانية القديمة تتم مراجعتها و تمحيصها و ضحد ما ثبت خطؤه منها فتجد (الحسن بن الهيثم) يضحد فكرة أن الضوء يخرج من العين بالتجربة والدليل ويثبت أن الضوء ما هو الا انعكاس من الأشياء لعين الانسان. الأرض كروية وليست مركز الكون وتدور في فلكها حول الشمس. يتم حساب محيط الأرض من قبل علماء المسلمين بدقة شديدة ويتصدر علماء المسلمون لرسم الخرائط وتحديد المساحات. ابن النفيس يكتشف الدورة الدموية الكبدية (الصغرى) ليسبق بسنين كثيرة علماء الغرب. 

التجار يتسابقون في تصدير السلع والبضائع لشتى بقاع الأرض و الأمانة هي العنوان الأول و الأخير للمعاملة بين التاجر  المسلم وغيره.  حى في الحرب فإن الثبات على العهد والتزام المواثيق هما أساس الحرب وسار المسلمون دوما على وصية الرسول الكريم (لا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا كبيراً فانياً ولا منعزلاً بصومعة ولا تقربوا نخلاً ولا تقطعوا شجراً ولا تهدموا بناءً).

ماذا عن الفكرة العربية؟

لا شيء على الاطلاق، اجابة مختصرة تفي بكل شيء. توحد العرب في لغتهم وتشتتوا في مللهم و أهوائهم، لا توجد فكرة كبرى ولا عقيدة تحملهم على العمل ولا السبق في أي مجال. الدول العربية طاردة للعلماء و المثقفين ومن بقي منهم إلا من رحم ربي فقد اختار المهادنة أو النفاق. كيان وهمي مهلهل يسمى (جامعة الدول العربية) ولا يجمع العرب في شيء إلا في صور الجرائد. لا علم ولا تعليم ولا أمن ولا أمان ولا فكر جديد ولا شيء على الاطلاق. 

تحولت دول العرب لمستعمرات من الموتى الأحياء يأكلون كما تأكل الأنعام. يشترون أبهظ الثياب و أفخر السيارات وجارهم جائع. يشترون السلاح ليقتلوا بعضهم بعضا. خيانة و خسة ونذالة و صغار وهوان. متى كنا كذلك وهل هذا هو أسوأ عصور الأمة؟. في الماضي كانت الجيوش الامبريالية تحتل بلداننا ولكننا كنا نقاوم المحتل، كانت لنا البقية الباقية من ميراث دولة الاسلام، هذا عدوي فأحاربه.

الآن غير الاحتلال جلده و أيقن أن احتلال الدول اقتصاديا أسهل بكثير من احتلالها عسكريا. أقل تكلفة، أكثر جباية، ودع العرب يأكلون بعضهم بعضا. فقط العرب لم يفطنوا للعالم الجديد الذي يحيون فيه، فقط العرب لا يعرفون من هو عدوهم، فقط العرب أغبياء ويزدادون غباء كل يوم. 

هل هناك أمل ؟

نعم، طالما هناك إله عادل يجري سننه في خلقه فإن سنة الله ستجري في المسلمين و في غيرهم على حد سواء. لن تظل فقيرا غبيا مستعبدا للأبد ولن تظل أمريكا ولا اسرائيل على حالهما. الفارق الوحيد هو التوقيت، هل سنرى العالم الاسلامي والعربي في حال أفضل؟ هل في حياتنا؟ هل بعد مائة عام أو يزيدون؟. الأمر كله مرهون بيدك وبيد ابنائك، علمهم من عدوهم ومن يضمر لهم الشر، علمهم أن العالم لا يحب ولا يكره إنما الاحترام هو ما تفرضه على غيرك تجاهك، الحق لن يأتيك بنفسه وعليك أن تسعى سعيا ضاريا. ستخسر الكثير من المعارك في البداية حتى يأتي نصر الله ولكن إن لم تحارب معاركك فسيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ويستبدلهم بك. لا تستصغر نفسك، ابدا بنفسك وحاول واجعل حدود طموحك عنان السماء فمن يدري وقد يخرج الله من بين ظهرانينا (صلاح الدين) الجديد ويعز هذه الأمة به. 

  • 710
  • 1,459

Submit your articles

Submit your articles now to Orrec.