ما هو الفارق بين طلب العلم للوظيفة، وطلب العلم للعلم بذاته؟


 

إن طلب العلم والسعي في تحصيله أمرُ محمود، بل هو واجب على كل شخص، فبالعلم يتفتح العقل ويبدع وتتشبع الروح بالقيم
والمبادئ والأفكار، وبدون العلم والمعرفة ينغلق الشخص على نفسه ويعيش في زنزانة
الجهل حياته كلها مفتقرا للمهارات والخبرات الاستثنائية التي قد تساعده بشكل كبير
لو أنه اكتسبها وسعى في تحصيلها في تسهيل أمور حياته المعيشية وتحسين وضعه
الاجتماعي بشكل كبير جدا.

 

وطلب العلم بحد ذاته قد لا يخلو من بعض المغالطات التي يرتكبها طالب العلم أو يقع فيها، فإن كان طلب الشخص للعلم
مرتبط بتحقيق منفعة شخصية معينه كتحسين وضعه الوظيفي والمادي أو أن يستخدم الدرجة
العلمية التي حصل عليها للتفاخر والتعالي على الناس فهذا النوع من العلم قد تشوبه
بعض النقائص التي قد تقلل من جودته ومخرجاته لدى الشخص بشكل كبير جدا.

فالطبيب مثلا قد يتعلم الطلب ليس
رغبةً ولا حباً ولا شوقاً إليه، بل لكي يقال فلان طبيب وقد يكون هذا هو الغرض والدافع
الأساسي الذي من أجله التحق بكلية الطب وحصل على شهادته وغالبا ما يكون هذا الأمر على
حساب الإتقان والإبداع في التخصص.

فهناك أطباء ومهندسون ومعلمون
ومتخصصون في شتى العلوم الطبيعية والإنسانية ولكنهم للأسف الشديد لا يحسنون تخصصاتهم
ولا يتقنون تفريعاتها وتشعباتها فهم فقط درسوا من أجل نيل الشهادة وتحسين وضعهم
الوظيفي ولا أكثر من هذا.

في هذه الحالة فإن الأمر يتحول برمته
من (طلب العلم للعلم والمعرفة) إلى (طلب العلم للشهادة وللوظيفة) والفرق شاسع جداً بين الأمرين.

 إن الدافع الأساسي الذي يحث الإنسان على طلب
العلم ويدفعه إليه يجب أن يكون أسمى وأبعد وأعمق من مجرد التفكير في الأمور
الأكاديمية ومتطلباتها المتعددة بدءاً بالأوراق والوثائق ثم القبول والدراسة
والامتحانات ثم التخرج والشهادة، فهذه الأمور الشكلية فارغة المضمون قد طغت بشكل
كبير على مجال التحصيل العلمي وأفقدته روحه وجوهره.

ولو رجعنا إلى الماضي (قبل عصر
الشهادات) لوجدنا أن أغلب من أفادوا الفكر الإنساني وأضافوا إليه جديد الاكتشافات
والابتكارات والاختراعات من علماء ومفكرين في شتى مجالات الفكر الإنساني والعلمي لم
يكونوا أسرى لمقاعد الدراسة ولا لم يكونوا سعاة ولاهثين خلف الشهادات أو الوظائف
بل على العكس فقد كان دافعهم الأساسي هو الفضول الداخلي وحب الاكتشاف والرغبة
الجامحة في التوصل إلى تفسير للظواهر الطبيعية والسعي الدائم لإيجاد حلول لكل
المشكلات التي تصادفهم في حياتهم.

وهذا النوع من التحصيل العلمي
النابع من الرغبة الشخصية في التعلم من أجل العلم لذاته ورغبة في اكتساب المعارف
والمهارات والخبرات اللازمة لإدارة الحياة وتحسين الأوضاع هو العلم الحقيقي الخالص
والنافع والذي تظهر آثاره سريعا في المجتمعات.

 

ليس معنى هذا بالطبع أن نتخلى عن مقاعد
الدراسة في الجامعة، أو أن نترك السعي وراء الشهادة، المهم هو أن نصل إلى مرحلة أن
نعي ونفهم أن هذه أمور لا تخرج عن إطارها الشكلي وأن ما يجب الاهتمام به حقا
والتركيز عليه هو (المادة العلمية) بذاتها ولنجعل منها الهدف الأول والغرض الأساسي
الذي من اجله التحقنا بمقاعد الدراسة في الجامعة أو المعهد.

 

وبعبارة أخرى فإن طالب العلم
يستطيع القيام بعملية ترشيد وضبط لمساره الأكاديمي بالاتجاه الصحيح منذ اللحظة
الأولى لالتحاقه بمقعد الجامعة وحتى لحظة تخرجه وما يعقب ذلك من الإجراءات، ومن هنا
نستطيع أن نضع أمام طالب العلم بعض الأفكار والتوجيهات التي قد تساهم بشكل أو بآخر
في تحسين مستوى تحصيله العلمي.



أولا : لا تتخصص فيما لا ترغب فيه

بعض طلاب العلم يقحم نفسه في تخصص
لا يحسنه ومجال لا يتقنه ويكون دافعه الأساسي في اتخاذ ذلك القرار هو الغرور الشخصي
ورغبة في الحصول على لقب أكاديمي معين يفاخر به أمام الناس ويكون ذلك للأسف على
حساب إتقانه وإبداعه لذلك التخصص كما أسلفنا.

وعليه يجب أن يكون طالب العلم
صادقاً مع نفسه ومجتمعه وذلك باختيار المجال الذي ترتاح له نفسه والتخصص المناسب
لعقله وتفكيره ويركز كل جهده على ذاك التخصص ويبدع فيه، فهذا الأمر أجدى وأنفع
لطالب العلم نفسه ولمجتمعه.

 

ثانيا : لا تكتفي بالمقررات
الأكاديمية :

يخطئ طلاب العلم عندما يتقيدون
بمقرر الجامعة أو المعهد في تحصيلهم للعلوم والمعارف وربما يدفعهم لذلك بعض
القرارات الصارمة من إدارة المؤسسة الأكاديمية التي تقوم بفرض المقررات والمواد
التعليمية وتجعل من الامتحانات مقياساً للفهم والتحصيل، وهذا الأمر لا بأس من التقيد
والالتزام به في حدود المعقول ولكن ليس معنى هذا أن يكتفي الطالب بما وضعته إدارة
الجامعة أو المعهد من مقررات ومواد علمية بل الواجب عليه البحث والتحري وتقليب
صفحات الكتب والمواقع بل والقيام بتجارب شخصية 
إذا لزم الأمر لإثبات نظرية أو
حقيقة علمية.

لحسن الحظ فقد أصبحت المعلومة حرة ومتاحة في واقعنا المعاصر اليوم
وتستطيع بكبسة زر الدخول إلى محيطات شاسعة من العلوم والمعارف التي تستطيع من
خلالها كسر الصورة النمطية السائدة عن التعليم الأكاديمي والتحصيل العلمي، فتكون
النتيجة الإيجابية حاضرة وبقوة في مجال تخصصك.

 

ثالثا : أبحث عن المعلومة ولا
تنتظر قدومها إليك

هناك فرق بين طالب العلم الذي
يدفعه الشغف والفضول للبحث والتحري في المسالة العلمية وبين الطالب الجالس على
مقعد الدراسة في انتظار أن تأتيه المعلومة من فم المعلم جاهزة ومغلفة، فالنوع
الأول (الباحث) يتميز بالنشاط وحب الإطلاع والرغبة الشديدة في التعلم واكتساب
المعرفة بينما الآخر (المتلقي) قد حدد مساره مسبقا ووضع نصب عينيه هدفه الأسمى وهو
مجرد الحصول على الشهادة الورقية أو اللقب الأكاديمي، والفرق بين النموذجين شاسع
جداً فالباحث سيكون مصيره الإبداع في تخصصه والإتقان في عمله وربما أضاف جديداً إلى
تخصصه مستقبلا يفيد به نفسه ومجتمعه، بينما يبقى الآخر أسيرا لشهادته الورقية ولقبه
الأكاديمي قابعا في حدود ما تعلمه ويدور في فلك ما تلقاه خلال سنوات دراسته فقط.

 

رابعا : ليس كل متعلم حاصل على
شهادة

يجب أن نفرق بين (العلم) و
(الشهادة) فالأول (معلومة وفكر) والآخر (ورق وحبر) ومن الخطأ الحكم على الشخص من
خلال لقبه الأكاديمي أو شهادته الجامعية فهي ليست مقياساً دقيقاً في أغلب الأحوال،
وكما أسلفنا فهناك الطبيب الفاشل والمهندس البليد والمعلم الأحمق، بينما قد تجد في
الطرف الآخر أناس عباقرة ومثقفون ومخترعون لم يلتحقوا يوماً بمقاعد الدراسة ولم
ينضموا إلى أي سلك أكاديمي في حياتهم ومع ذلك أبعدوا وابتكروا لأنهم سلكوا طريق
العلم التحصيل العلمي الحقيقي المبني على الفضول وحب المعرفة والاستطلاع لذاتها.

 

أخيراً .. على طالب العلم أن يفطن
لكل ما ذكر أعلاه وأن يسعى جاهدا في طلب العلم الحقيقي الخالي من ملوثات العصر
البعيد كل البعد عن الرياء والسمعة وحب الألقاب، وأن يسعى جاهداً في التحصيل وأن لا
يقف عند حدود معينة، بل عليه تنويع مصادره والسؤال عن كل شيء فالعلم يضيع بين
الحياء والكبر، فالشخص الخجول الذي يستحي من طرح الأسئلة لن يتعلم وكذلك الشخص
المتكبر المتغطرس الذي لا تطاوعه نفسه أن يسأل غيره بدافع الكبر لن يتعلم أيضا.

 































































 


  • Share

    • 150
    • 4,199

    Submit your articles

    Submit your articles now to Orrec.

    Share