مخاطر المبالغة في حماية الأطفال: 5 نصائح لتقوية شخصية طفلك وتعويده على العالم الخارجي

إن تربية الأطفال مهنة وفن لا يتقنه كثير من الناس، ففي الغالب يتعامل الأب مع طفله على أنه كائن جديد وجب تغذيته وإطعامه ليكبر ويحقق طموح وآمال أبويه مستقبلا فيبالغ في تدليله ورعايته حتى يصل به الأمر إلى حد منعه من التعرض لضوء الشمس أو نسمات الهواء بحجة أنها ستؤذيه، ونتيجة لذلك قد ينشأ الطفل منعزلا هزيلا ضعيف البنية رقيق الجسم لا يجد أمامه وفي محيط عالمه إلا شاشة التلفاز التي في الغالب تكون صاخبة ومزعجة في كثير من البرامج المخصصة للأطفال، أو يجد نفسه حبيس مهده وأركان غرفته وقطع الألعاب المملة المتناثرة هنا وهناك، وعند أبسط محاولة طبيعية يقوم بها للخروج أو الزحف لاستكشاف العالم الخارجي سرعان ما يقبض عليه أبواه فيعيدانه إلى زنزانته بحجة انه ربما يقد يتعرض للأذى أو السقوط أو الاتساخ. 

وللتقليل أو على الأقل التخفيف من القيود الصارمة المفروضة على الطفل والتي قد تنعكس سلبا على نشأته بشكل طبيعي لا بد من مراعاة بعض الأمور والأخذ بعين الاعتبار بعض التوصيات:



أولا : الأصل أن يترك الأب أو الأم طفلهما يتجول في أركان المنزل بحرية تامة سواء بالزحف أو الحبو أو المشي إذا كان قد بلغ سن المشي، وأثناء تجواله قد يمر على كثير من الأشياء والأغراض فيقوم بتحسسها بيديه وربما يتذوقها بلسانه أو يضعتها في فمه كتصرف طبيعي جدا وغير مثير للقلق، غير أن بعض الآباء والأمهات يصابون بالهلع من مجرد رؤية طفلهم يقوم بلعق أي من الأغراض الغير مؤذية في المنزل فيسحبونها منه سريعا.

ثانيا : عندما يقوم الأب والأم بمناداة طفلهم الصغير فإنهم غالبا ما يستخدمون لغة غريبة من نوع التأتأة فعلى سبيل المثال قد تنادي الأم أو الأب طفلهما ببعض الكلمات الغريبة مثل: شوشو وي وي دادا واوا وغيرها من العبارات الغير مفهومة والتي يظن الأب أو الام أنها مناسبة له، والعكس هو الصحيح فالواجب على الأب أو الأم أن يحدثوا لطفلهم الصغير وينادونه بلغة عادية واستخدام مصطلحات كاملة مثل: تعال – لا – نعم – أيوه – حبيبي .. وغيرها. والسبب في استخدام تلك العبارات الغريبة والكلمات الغير مفهومه هو أن يظن الأب أو الأم أن الطفل الصغير لم يصل بعد إلى مرحلة فهم تلك المصطلحات فيستعيضون عنها بلغة التأتأة أو الإشارة وهو أحد أسباب تأخر النطق عند كثير من الأطفال الصغار حيث يميل الأطفال الصغار إلى محاكاة اللغة التي يسمعونها من أبويهم وعندما يجدون هذه اللغة بالأساس مشوهة فسيتأخر نطقهم للغة الصحيحة حتى يبلغوا سناً يمكنهم من التفرقة بين الكلام الصحيح والتأتأة.

ثالثا : يجب تخصيص بعض الوقت لخروج الطفل خارج المنزل سواء إلى حديقة المنزل أو الحدائق العامة وأن يتعرض الطفل لضوء الشمس وان يترك لكي يتجول على العشب أو الرصيف ويرى مناظر أوسع من أفق غرفته الضيق. ولا باس في أن يمس ويتحسس الأشياء من حوله طالما كانت نظيفة وغير مؤذية له.

رابعا : تعويد الطفل على الحركة والنشاط ولول لزم الأمر بأن يقوم الأب أو الأم بملاعبته وتدليك أطرافه بشكل خفيف ومتوسط يسمح للدماء بالتحرك والانتشار في أنحاء جسمه وإكسابه بعض الليونة والمرونة.

خامسا : عدم المبالغة والإكثار من حمل الطفل بين الأيدي، فعندما يكون الطفل صاحيا ونشيطا فإن أنسب وضع له هو تركه على الأرض كي يزحف أو يحبوا ويحتك بها أطول مدة ممكنة.

ولا يفوتني في هذا المقام أن أسرد قصة لا يبدوا أنها حقيقية ولكننها قد تكون معبرة بشكل كبير عن فكرة الموضوع وعلى اتصال بواقعنا الذي نعيشه اليوم.

يحكى أن هناك ثلاث أسر من جنسيات مختلفة ، أسرة بريطانية وأسرة أمريكية وأسرة عربية كانوا بصحبة أولادهم في إحدى الحدائق العامة.

حدث وأن صعد طفل الأسرة البريطانية على السلم كي يتزحلق وفجأة وقع على الأرض فأسرع أفراد أسرته في هلع وهم يصيحون واتصلوا بالإسعاف وأخذوا أبنهم سريعا إلى المستشفى للعلاج.

وحدث أن صعد طفل الأسرة الأمريكية على نفس السلم كي يتزحلق وفجأة وقع على الأرض فأسرعت أمه فقط نحوه وأخذته وجلست تنفض الغبار عنه وترتب ملابسة ثم قالت له يا طفلي العزيز لا بأس عليك هل تريد الحديث عن الموضوع.

وحدث أخيرا أن صعد طفل الأسرة العربية على نفس السلم كي يتزحلف وفجأة وقع على الأرض فلم يحرك أحد من أفراد أسرته ساكنا بل استمروا في شرب الشاي وتبادل أطراف الحديث رغم أنهم رأوه يقع وعندما لم يرى الطفل أي اهتمام أو رده فعل من والديه عاود النهوض ونفض الغبار عن نفسه وصعد مرة أخرى ليتزحلق.

الشاهد من هذه القصة أن ردة فعل الأسرة البريطانية كان مبالغ فيها إلى حد كبير وقدموا لطفلهم نموذج سلبي سيء يفقد الطفل معه الثقة في نفسه ويتأثر بأبسط وأتفه الأمور التي تصادفه فيها حياته مهما كانت سهلة ويسيره فينشأ نتيجة لذلك ضعيف الشخصية مهزوز فاقدا للثقة.

بينما قدمت الأسرة الأمريكية نموذج وسط لطفلها فلم يبالغوا في ردة فعلهم وفي نفس الوقت لم يقدموا للطفل شيء جديد وتعاملوا مع الأمر بشكل عفوي.

بينما قدمت الأسرة العربية نموذج متقدم فبمجرد النظر وتقدير مسافة السقوط وأنها لا يترتب عليها أي أضرار جسدية بالغة والتزامهم الصمت وعدم إثارة الحادثة أو إعطاءها حجم وأبعاد أضافيين فإن كل ذلك عزز من ثقة الطفل بنفسه فعندما رأى صمت والديه وعدم انشغالهم أدرك بساطة الأمر وأن لا أضرار محتمله فعاود النهوض من تلقاء نفسه وكله ثقة وعزم على تكرار ما فعله.

وليس معنى هذا أن نترك أطفالنا عرضه للخطر ولا نبالي بما قد يتعرضون له فليس هذا هو بيت القصيد وإنما المقصود الحقيقي أن يحاول الأبوين تقدير الأمور بحكمة واقتدار وأن يكفوا عن الهلع والخوف المبالغ فيه عند أتفه الأمور وأن يعلموا جيدا أن التزام الصمت في بعض الحوادث البسيطة التي يتعرض لها الطفل كفيلة بأن تجعل الطفل يصحح مساره ويعزز ثقته بنفسه، والملاحظ أن أغلب الأطفال يجهشون بالبكاء بمجرد وصول الأبوين لموقع الحادث بينما يلتزمون الصمت والسكون في حال لم يأت إليهم أحد.


خاتمة:

ختاما وجب التنبيه لأمر مهم كثيرا ما نشاهده في الأفلام والذي ربما يعكس ثقافة وواقع شعوب بعينها ألا وهي مسألة عدم إشراك الأطفال في بعض النقاشات العائلية والمسائل الجدية وعدم السماع منهم وأخذ آراؤهم، فالصورة العالقة بالأذهان ربما تحت تأثير الأفلام والمسلسلات أن الأب والأم يناقشون أمور منزلهم أو أعمالهم أو علاقاتهم بعيدا عن الأطفال ويحرصون أشد الحرص على عدم إقحام الأطفال في تلك النقاشات وهذا قد يكون صواب إذا كانت طبيعة النقاش خاصة جدا وتناقش أمور شخصية تخص الزوجين أو مشاكل متعلقة بهم فلديهم كامل الحق بالابتعاد عن الأطفال عند الخوض في هذه الأمور، ولكن في الأمور العامة وبعض المشاكل التي تخص جميع أفراد الأسرة فالواجب مناقشتها بحضور الأطفال وسؤالهم عن رأيهم في المسألة الفلانية والاستماع إليهم في جو يسوده المحبة والود والبساطة في التواصل، وهذا الأمر له انعكاس إيجابي كبير على شخصية الطفل مستقبلا لأنه يدفعه إلى التفكير في سن مبكر وابتكار الحلول للمشاكل والإبداع في تقديم الرأي وطرح الفكرة

الأطفال جزء لا يتجزأ من النظام الأسري وتربيتهم تقع على عاتق الأم والأب في المقام الأول وهي مسئولية كبيرة وعظيمة، ولكن للأسف فقد طغت البدائل وانتشرت الحداثة المؤذية للأطفال حيث أصبحت الأم تعمل ساعات طويلة في النهار تاركة أطفالها إما للمربية أو للحضانة، وكذلك الأب ثم يعودون إلى المنزل في ساعة متأخرة منهكين لا يجدون الوقت الكافي للجلوس مع أطفالهم أو تفقد أحوالهم والأسوأ من ذلك كله هو ترك الأطفال تحت رحمة التكنولوجيا الحديثة من اتصالات والعاب تمسخ العقول وتشوه الفطرة وتستحوذ على كامل وقت الطفل تقريبا فتحرمه من الخروج والاحتكاك بالطبيعة والبشر من حوله وهنا تكمن المأساة الحقيقية التي اجتاحت واقعنا المعاصر.



  • 105
  • 5,204
  • Share

Submit your articles

Submit your articles now to Orrec.

Share