مراجعة لمسلسل ما وراء الطبيعة

مراجعة لمسلسل ما وراء الطبيعة




لا تخفى على أحد منا الضجة التي أحدثها أول إنتاجات شبكة نتفليكس العالمية بالعربية وربما ترجع الضجة المبالغ بها للدعاية المكثفة التي قامت بها الشركة للمسلسل بالإضافة لحالة الزخم الكبيرة التي تحظى بها سلسلة الروايات الشهيرة في العالم العربي وكاتبها الراحل دكتور أحمد خالد توفيق وحالة التعلق الشاعرية التي يتمتع بها قراؤه في جميع أنحاء العالم العربي بالإضافة لأسلوبه المميز في الكتابة والذي نستطيع الزعم بطلاقة بأنه قد أحدث ثورة أدبية بين أوساط الشباب العربي وخرج من تحت عباءته الكثير من الكتاب الشباب المتأثرين بروح العراب كما يحب تلاميذه تسميته.
ما وراء الطبيعة هي سلسلة روايات بدأت كقصص قصيرة تناقش مفاهيم الرعب المحلية وكان اتجاه الروايات في البداية نحو نقض الأساطير الشعبية وفضح الخداع الشعبي بمفهوم علمي محض ويتبين ذلك بجلاء في الأعداد الأولى من الرواية. كانت ما وراء الطبيعة من أوائل إنتاجات الأديب الطبيب الشاب في حينها دكتور أحمد خالد توفيق ولذلك إذا كنت من المنضمين حديثاً لنادي قراء العراب فقد يصيبك بعض الملل والشعور بالصدمة إزاء بداية قراءة السلسلة وننصحك بشدة بالقفز إلى الأعداد التي تقع في منتصف السلسلة أولاً ثم العودة للبدايات كنوع من أنواع إكمال الجميل حتى لا تشعر بالصدمة. الفكرة التي نريد إيضاحها هنا هي مراحل تطور الكاتب نفسها وهي مراحل طبيعية لأي أديب يطور من أسلوبه مع مرور الوقت حتى نصل لقمة إبداعات الدكتور أحمد خالد توفيق في رواياته التي جاءت في مراحل متأخرة نسبياً ومع ظهور بوادر النهاية لسلسلة ما وراء الطبيعة مثل روايات في ممر الفئران والسنجة ويوتوبيا وأخيراً شآبيب.
مراحل تطور الكاتب نفسها هي ما يدفع الكثير من القراء الجدد أو عديمي الصبر لعدم تصور فكرة وجود تغيرات جذرية وخضوع أسلوب الكاتب للتطوير مع مرور الزمن وهي فترة قد تصل لأكثر من عشرين سنة وبالتالي يقع الكثيرون في حيرة من أمرهم بين الإعجاب الشديد والتقدير الذي يتمتع به دكتور أحمد خالد توفيق من جهة معجبينه والاستياء والسخرية المبالغ فيها من بعض فئات الجمهور مثل بعض القراء الجدد أو حتى الأدباء الموجودون على الساحة والذين لم يصبهم بعض نصيب الدكتور أحمد خالد توفيق من الشهرة والرواج التجاري لرواياته.
يمكن تلخيص مشكلة مسلسل ماوراء الطبيعة الأساسية في النقطة السابقة أو بتصرف بسيط يمكننا القول أن مشكلة المسلسل تقع أساساً في اعتماده على كتابات الدكتور أحمد خالد توفيق الأولى والأعداد الافتتاحية في السلسلة مثل النداهة وأسطورة البيت ولعنة الفرعون. يمكننا القول ببساطة أن الأعداد الأولى لم تكن أفضل ما كتبه الدكتور ولكن حين قيامك بإنتاج مسلسل مقتبس عن الرواية ستضطر للبدء بالروايات الأولى أولاً على أي حال وهي مشكلة كان يمكن تعويضها بالتقليل من الاقتباس الحرفي والاعتماد على بعض الخيال أو قل بعض الواقعية والتشديد على تقصي الحبكة الدرامية لتغير طبيعة المتلقي على كل حال فالمتلقي التلفزيوني يختلف كثيراً عن المتلقي بالقراءة.
كما أن الاقتباسات التلفزيونية بأي حال تؤدي لهضم العديد من الكتب حقها وهي مشكلة قائمة لا يمكن تفاديها فحيث يمكن للكتاب أن يأخذك لعوالم تخيلية بسهولة ويعطي المساحة لخيالك في تصور الوحش أو القوى الخارقة التي تواجه البطل فإن الاقتباس التلفزيوني لن يدع الكثير من المجال لخيالك الشخصي. بدا ذلك جلياً في المؤثرات البصرية التي انتقدها الكثير بدعوى الرداءة رغم أنها لم تكن رديئة للغاية وكانت المشكلة الأساسية هي تحويل وحش روائي متخيل لوحش تلفزيوني متجسد أمامك. نتج عن ذلك وجود غوريلا في قلب الصحراء الليبية تحمي طفلها الغوريلا الصغيرة بدون أي سبب منطقي لوجود غوريلا من الأساس في هذا المكان عوضاً عن الجاثوم الذي تم تصويره برجل يرتدي معطفاً أسوداً ويمسك بمنجل ليحاول الفتك بالبطل في مطاردة طفولية.
من المشاكل الأخرى في المسلسل هي الوجود المفرط به لماجي ماكيلوب محبوبة دكتور رفعت اسماعيل والتي أدت دورها الفنانة رزان جمال وحيث أن وجود ماجي في الروايات هو وجود موسمي في بعض الأعداد أو هو أشبه بذكرى جميلة لا ينبغي لها أن تتجسد أبدا حتى أن اجتماعها الحقيقي الوحيد برفعت اسماعيل كان على فراش موته وهو حين أكمل لها قصيدته التي ظلت مجهولة طيلة السلسلة (سأظل أحبك حتى تحترق النجوم وحتى...) إلا أن المخرج عمرو سلامة قرر التصريح بالقصيدة في أولى حلقات المسلسل. الوجود المفرط لماجي في المسلسل هو مخالفة صريحة لروح الروايات التي جعلت وجود ماجي وجوداً ثانوياً كنوع من أنواع الذكرى الجميلة أو وخز الضمير المتواجد بخفوت طيلة الوقت لكن وجوده أخفت من أن يتم تجسيده بهذه الكثافة كما حدث في المسلسل. ربما كان السبب قيام المخرج بعمل مقابلات والتعاقد مع ممثلة عالمية مثل رزان جمال وكنوع من تقليل الخسائر فقد قرر تواجدها طيلة الوقت في
المسلسل.
مراجعة لمسلسل ما وراء الطبيعة
رفعت الروايات يختلف كثيراً عن رفعت المسلسل في هذه النقطة بالتحديد حيث أن رفعت الروايات هو أشبه بذئب وحيد غير اجتماعي يهوى خوض المخاطر بنفسه ولا يوجد له شخصية مساعدة أو سايد كيك كما في التعبير الأمريكي بالقصص المصورة ولكن الأمر في المسلسل بدا وكأن رفعت يحتاج المساعدة طيلة الوقت سواء من ماجي أو هويدا أو عائلته المتمثلة في رئيفة ورضا وغيرهم. الاختلاف بين رفعت الرواية ورفعت المسلسل تعدى ذلك لشخصية رفعت نفسها والتي أداها الممثل أحمد أمين الذي لا ينبغي أن نبخسه حقه في اجتهاده الشديد في تجسيد الشخصية وتحوله الدرامي الذي لا يخفى على أحد بين شخصياته الكوميدية الطائشة المعتادة وشخصية رفعت التي أظهرها الممثل في صورة شخص كئيب لا يضحك مع بعض الكوميديا السوداء. شخصية رفعت الروايات على النقيض فرغم وحدته إلا أنه لم يكن كئيباً أبدا بل على العكس فقد كان محاطاً دائما بالتلاميذ أو الجيران أو الأعداء الذين يجبرونه على خوض حياة اجتماعية رغماً عنه وكان أقرب للسخرية اللاذعة منه لطور الاكتئاب والرصانة البادي على وجه أحمد أمين طيلة المسلسل.
ربما كانت حوارات رفعت وتعليقاته العقلية أفضل حالاً على أي حال من حوارات الشخصيات الأخرى السطحية والمتوقعة بشدة مثل شخصية هويدا على سبيل المثال والتي أدتها الممثلة الشابة آية سماحة ويمكننا القول بارتياح بأن تعبيرات وجه هويدا وحواراتها الضعيفة هي ثاني أسوأ شيء في المسلسل بعد وحش الغوريلا في حلقة العساس. هويدا لم تكن استثناء كما قلنا ولكن يبدو أنه كان هناك مشكلة كبيرة في لغة الحوار وتسلسل الأحداث والمنطق المعتمد في المسلسل ككل وهو ما فتح باب الانتقاد على ضلفتيه بين أوساط المتابعين وأدى بهم لفوضى شديدة على شبكات التواصل الاجتماعي بين الانتقادات اللاذعة والمديح المبالغ به لعمل ربما كان يملك أن
يكون أفضل من ذلك بكثير.
على كل حال فإننا لا يجب أن نظلم التجربة بشدة وينبغي أن نعترف بجمال الموسيقى وجودة الصورة بوجه عام وتصميم شعار المسلسل (اللوجو) ووجود باب للتسلية والمتعة المتلفزة التي أثارت حنين قراء الرواية ومعجبي دكتور أحمد خالد توفيق وأنا منهم. المسلسل ككل يمكن الاستمتاع به وإن كنت لم تشاهده بعد فننصحك بمشاهدته لكن لا تتعب نفسك بالتفاصيل الدقيقة وضياع المنطق في كثير من الأحوال والذي سيؤدي بك لأسئلة وجودية لا حصر لها عن مغزى تصرفات الشخصيات وهدفهم ومعنى وجودهم في أي موقف وفي أي لحظة حيث ستجد وتلاحظ العديد من السقطات في كل مكان تقريبا.
مراجعة لمسلسل ما وراء الطبيعة

يبقى لنا أن نشيد بأداء الطفلة الجميلة ريم عبد القادر لشخصية شيراز الخضراوي والذي كان مقنعاً وأكثر رعباً من العديد من
شخصيات المسلسل وهو أداء بارع بغض النظر عن حبكة المسلسل ويجعلنا نتمنى أن نراها في أعمال أخرى قريباً. 
كما قلنا وبعيداً عن التحيز لأي من الجهتين فيمكننا إعطاء ٦ أو ٧ نجوم م أصل ١٠ للمسلسل تقديراً للجهد المبذول من المخرج وطاقم العمل وصعوبة تحويل الرواية لعمل تلفزيوني ويكفينا بعض الشعور بالحنين الذي بثه المسلسل في أعماقنا مع بعض لحظات الرعب والمرح ونتمنى صدقاً أن يتم إنتاج العديد من الأجزاء الأخرى من المسلسل مع تلافي أخطاء الجزء الأول والتركيز بشكل أكبر على الكتابة التلفزيونية والتخلي عن فكرة الاقتباس التام من الرواية التي تتخذ مساراً مغايراً في مخاطبة القارئ عن المسار الذي تتخذه المسلسلات التلفزيونية في مخاطبة المشاهد. نتمنى القليل من ماجي وهويدا ورئيفة والمزيد من رفعت اسماعيل. 















  • Share

    • 215
    • 2,664