مراحل النضوج الفكري لدى البشر وكيف تستطيع أن تنظج فكرياً

إن النضج الفكري والعقلي للإنسان والذي يحدد طريقة تفكيره وأسلوب تعامله مع القضايا المختلفة ونضرته الشاملة للحياة كل ذلك يمر بمراحل متعددة مرتبطة أساسا بعمر الإنسان، فأسلوب تفكيرك وأنت في العشرينات من عمرك يختلف اختلافا كبيرا عنه في الأربعينات والخمسينات فقد كنت في سجن العشرين مجرد مراهق حديث السن نسبيا يفتقر إلى الكثير من الخبرات الحياتية التراكمية التي يكتسبها الإنسان بمرور الوقت وتغير الزمن والحال والتي تسهم إسهاما كبيرا في صقل العقل وتنويره لذلك فإننا نجد أن غالبية الشباب يتسمون بالطيش والتهور والتسرع في اتخاذ القرارات إذا ما قارناهم بكبار السن الذين يتصفون غالبا بالهدوء والحكمة والتأني ويمتلكون بعد النظر ويحيطون بالمسائل والمشكلات والقضايا المختلفة من جميع زواياها وأبعادها على عكس من هم في الشباب.

 ويمكن تشبيه هذا الأمر بمراحل صعود الإنسان لأحد الجبال العالية والشاهقة، فكلنا يعلم بأن من يقف أسف الجبل لا يرى إلا أفق محدود ومناظر قليلة ومتقاربة وكلما ارتقى الإنسان صعودا في ذلكم الجبل اتسع أفق الرؤية لديه وأصبح قادرا على رؤية مناظر أكثر ومعالم أوسع ومع استمراره في الصعود إلى أعلى يستمر الأفق بالاتساع أمام عينية كاشفا عن تضاريس ومناظر لا يستطيع من في أسفل الجبل رؤيتها أو إدراك وجودها، فمرحلة عمر الشباب شبيهه إلى حد ماء بالوقوف في أسفل الجبل حيث يتخذ الشاب قراراته بناء على ما يراه أمامه من مناظر وبيانات محدودة للغاية والتي ساهمت خبرته الحياتية الضئيلة والقليلة في استحضارها وتغيب عنه اعتبارات وظروف زمانية ومكانية أخرى مهمة فينتج عن ذلك اتخاذ قرار متسرع وغير مدروس، لهذا وجب على صغار السن من الشباب دائما استشارة الكبار في جميع شؤون حياتهم وتفاصيلها (كونهم في قمة الجبل ) فهم أقدر الناس على تصحيح المسار وإعطاء المشورة المناسبة والاقتراحات السليمة في القضايا المختلفة التي قد يمر بها الشاب في حياته العلمية أو العملية بحكم أن كثير من تلك التجارب التي يواجهها الشباب قد مرت على كبار السن عندما كانوا شبابا يوما ما.


هل يستطيع الشباب صعود جبل المعرفة؟

ما ذكر أعلاه ليس قاعدة عامة ولا نستطيع أن نعممها ونسقطها على واقعنا الاجتماعي بنسبة مائة في المائة أبدا حيث أننا قد نجد شبابا صغار السن ولكنهم في الحقيقة كبار العقول ويمتلكون من الحكمة والفهم وبعد النظر ما لا يمتلكه حتى كبار السن ومن بلغوا الأربعين والخمسين من أعمارهم، فكيف يا ترى اكتسبوا تلك المهارة وحازوا على تلك المميزات وكيف نضجت عقولهم وهم ما زالوا في سن مبكرة؟

للإجابة على هذا السؤال لا بد من الإشارة إلى عدد من العوامل المساعدة التي ساهمت بشكل أو بآخر في منح هؤلاء فرصة التميز والتفرد في طريقة التفكير والنظر إلى المسائل والقضايا المختلفة بعقل ناضج وحكمة كاملة وهي على النحو التالي:

أولا: الإكثار من صحبة الأب

يعتبر هذا الأمر من أهم العوامل المساهمة في صقل وتنمية عقل الشاب فبالإكثار من صحبة الوالد وملازمته على الدوام يتعرف الطفل أو الشاب حديث السن إلى الطريقة التي يتعامل بها والده مع القضايا المختلف في الحياة وأسلوبه في معالجتها واقتراح الحلول اللازمة لها، كما يتعلم منه طريقة التعامل مع الآخرين ومع المجتمع ككل فتنتقل تلك المهارات تلقائيا وبشكل طبيعي إلى الابن المصاحب لأباه، ولهذا وجب على معشر الآباء الإكثار من اصطحاب أبناؤهم إلى الخارج سواء إلى أماكن عملهم بين الحين والآخر أو لحضور المناسبات الاجتماعية وغيرها.

وعلى العكس من ذلك تماما نجد الطفل أو الشاب الصغير حبيس المنزل أو شاشة التلفاز والذي لا يكثر من صحبه والده غالبا ما نجده انطوائيا يفتقر إلى الكثير من الخبرات ولا يعرف محيطه الاجتماعي وهذا يؤثر بشكل سلبي على عليه ويبطئ من عملية النضوج العقلي ويحرمه من اكتساب العديد من المهارات اللازمة لحياته المستقبلية.


ثانيا: الإكثار من القراءة

يستطيع الشاب اجتياز حاجز الزمن ويصل بنفسه إلى مرحلة النضوج العقلي المبكر وذلك بالإكثار من القراءة والمطالعة في شتى مجالات العلم والمعرفة، فالقراءة هي سماد العقول الحقيقي والطبيعي حيث تساهم بشكل كبير في تخصيبه وإنضاجه مبكرا لينتج لصاحبه ثمار معرفية يانعة وخبرات يحتاجها في مسيرة حياته العلمية والعملية وربما يحتاج أقرانه من الشباب لسنوات عدة ليصلوا إلى ما وصل إليه بفضل القراءة.


ثالثاً: قضاء وقت أكثر خارج المنزل

يتصف الإنسان في مرحلة الشباب بالنشاط والحيوية وكثرة الحركة ولا يحبون البقاء في المنزل لوقت طويل وهذا أمر إيجابي على عكس كبار السن الذين يبحثون عن الهدوء والراحة بعد يوم عمل شاق ومتعب، فالبقاء خارج المنزل لفترة من الزمن قد يساهم في تعريض الشاب لعدد من المواقف والأحداث التي تساهم في إكسابه بعض المعارف والمهارات في بعض القضايا والأحداث وتبين له كيف يتعامل الآخرون مع تلك المواقف بأشكال مختلفة وأساليب متنوعة فينعكس ذلك إيجابا على تصرفاته مستقبلا


وعلى العكس من ذلك تماما فإن بقاء الشاب في المنزل فترة طويلة من الزمن خلال اليوم تحرمه من الاحتكاك بمحيطه الخارجي وتفوت عليه فرصة المشاركة والمشاهدة لبعض الأحداث اليومية مما يؤدي بالضرورة إلى تأخر النضج العقلي والفكري لدى الشباب وهي للأسف منتشرة في واقعنا المعاصر بكثرة وكانت شبه غائبة قبل عصر الفضائيات والهاتف الجوال ومواقع التواصل الاجتماعي حيث ساهمت تكنولوجيا الاتصالات الحديثة في بقاء معظم الشباب داخل منازلهم وغرفهم الخاصة وأصبحوا أسرى في زنازين (الواقع الافتراضي) من غرف للمحادثة وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي يناقشون فيها قضايا الفن والكرة وغيرها من الأمور السطحية التافهة، وهذا يؤدي في نهاية المطاف إلى تأخر المستوى المعرفي لدى الكثير من الشباب حيث تجد أحدهم يستهلك الساعات الطويلة وهو ملقى على الفراش في الوقت الذي يفترض أن يكون فيه خارج المنزل بصحبه الأقران والأصحاب يرى ويعيش (الواقع الحقيقي) ويكتسب منه المعارف والمهارات اللازمة لحياته فخرج لنا نتيجة لذلك جيل جديد لا يفقه من واقعه شيء، متأثر بالمواد والثقافات والأفكار التي يتم ضخها يوميا في مواقع التواصل الاجتماعي ليقوم باستهلاكها بنهم في انتظار الجديد منها، وقد يبقى البعض أسرى داخل تلك الزنزانة وهم خارج منازلهم سواء في العمل أو مع الأصحاب فلا يكاد ينفك أحدهم عن شاشة هاتفة الخلوي.


ولهذا فإنه يجب على رب الأسرة سواء كان الأب أو الأم (فكلاهما شريك في المسئولية) عليهم إدراك أهمية أن يقضي ابنهم أوقات أكثر خارج حدود جدران المنزل ولا بأس بأن يصحب الأب أبنه إلى متجره أو ورشته أو أي مكان يعمل فيه بل انه من الواجب عليه فعل ذلك لقضاء بعض الوقت يكتسب فيها الابن خبرة ويقابل وجوه حقيقية يسمع منها ويتبادل معهم أطراف الحديث.

وإن كان لا بد للشاب أن يبقى في البيت فليكن بين صفحات الكتب أو متابعا للبرامج الوثائقية المفيدة أو في جلسة عائلية واقعية ومفتوحة يتبادل فيها أفراد الأسرة أطراف الحديث ويناقشون فيها قضاياهم المختلفة بعيدا عن شاشات الجوال.



  • Share

    • 133
    • 3,282

    Submit your articles

    Submit your articles now to Orrec.