موسم العودة للمدارس!

أيام قليلة، ونستقبل بتفاؤل عاماً دراسياً جديداً، نتمنى أن يكون بداية انطلاقة تضيف إلى المسيرة التربوية التعليمية بما يخدم الاحتفاظ بالمستوى المعيشي العالي الذي يعيشه المواطن اليوم. 

الكثيرون اجتمعوا على تسمية الفترة التي تسبق بدء العام الدراسي بموسم العودة للمدارس، حيث ينشط أولياء الأمور في توفير مصاريف الدراسة و البدء في رحلة البحث عن المستلزمات الدراسية الخاصة بأبنائهم الطلبة عن طريق قائمة طويلة من المستلزمات التي يتم طلبها من قبل المدرسة.


نحاول في هذا المقال تسليط الضوء على ثلاثة عقبات كبرى ستواجهك عند حلول موسم عودة المدارس:

موسم العودة للمدارس!

1- المستلزمات:

الحقيقة أن المستلزمات الدراسية كمصطلح قد تم استبداله بكلمة الصبلايز (Suuplies) تبعا للموضة القائمة بين المدارس الخاصة في تسمية الأشياء بأسماء غربية كنوع من أنواع التقدم و الرقي وهو سلوك في رأيي الشخصي ينم عن قمة التخلف و الضحالة الفكرية في محاولة استبدال الكلمات بالعربية بأخرى أجنبية.



أولياء الأمور و صغارهم يبدأون الرحلة التسوقية التي هي أشبه ما تكون بالمهرجان الممتد لبضعة أيام وليال، فالشراء ليس الهدف المستعجل ولا الوحيد، لكن الاطلاع على المعروض أهم لدى الأغلبية لتحقيق هدفين مهمين من وجهة نظرهم:


الأول: الوصول إلى أفضل البضائع المعروضة في جمالها وقوة تحملها، وعدم تعرضها للتلف السريع بحكم أنها في قبضة أطفال صغار على الأغلب، لا يحسنون المحافظة على خواص المنتج، بما يضمن أن تعيش الحقائب المدرسية والمستلزمات أطول فترة زمنية ممكنة.

الثاني: البحث عن أكثر أنواع المنتجات المطلوب شراؤها بحيث تكون منخفضة السعر إلى أقصى حد ممكن، لأن معظم أولياء الأمور يعولون أكثر من طالب، وقد يكونون في مراحل دراسية مختلفة، بمعنى أن مستلزماتهم الدراسية تكون مختلفة وبالتالي متفاوتة الأسعار، بما يعني مزيداً من الثقل لا تتحمله ميزانيات الأسر محدودة الدخل او المتوسطة

وأولياء الأمور يقفون في مرمى نيران تأتيهم من ثلاثة اتجاهات، الأول المبالغة في الأسعار إلى حد تجاوز المعقولية والشرعية والضوابط الأخلاقية، والهم الوحيد للمستفيدين على اختلاف مواقعهم جني أكبر قدر ممكن من الأرباح، والثاني من أبناء حريصين على تلبية طلباتهم بلا نقص أو اختصار، ولا تأجيل بعضها إلى حين يسر، فالمطلوب يجب أن يكون جاهزاً ومن أغلى الأصناف حتى ولو لم يكن أجودها وأكثرها متانة أو وفاء بالغرض منها، والثالث من معلمين يتفننون في كثرة طلباتهم ونوعياتها، إلى درجة أن بعض إدارات المدارس أو المعلمين يحددون مكان الشراء بحجة أنه يقدم الأفضل، والمطلوب.

أولياء الأمور في مرمى النيران يستغيثون ويصرخون ويناشدون، ولكن لا حياة لمن تنادي، فيبدو أن الجميع استسلم لمن يتحكمون في السوق فيرفعون الأسعار ولا يخفضونه، وبما يحقق لهم الأرباح المنشودة، بل والمزيد منها، رغم أن المصلحة الوطنية تفرض على الجميع أن يكون الحد الأدنى لمستوى المعيشة في متناول الجميع، حتى لا يبحث أحد عن سبل ملتوية ليزيد مصدر دخله المتواضع أو شبه المعدوم، بما يهدد الأمن الاجتماعي للوطن، وهو ما يحرص الجميع ألا يقع على الإطلاق.



٢- مصاريف الدراسة:

المشكلة الأكبر التي تواجه الأسرة المصرية على وجه الخصوص و الأسرة العربية عموما هي الارتفاع غير المبرر و المبالغ فيه لرسوم الالتحاق بالمدارس نفسها مع عدم وجود ارتفاع مماثل في جودة التعليم و السباق المحموم بين أولياء الأمور في توفير مصاريف الدراسة الباهظة والتي تدفع الكثير منهم الى الاستدانة من البنوك و تقسيط المصروفات الدراسية على دفعات لعدم كفاية مداخيل الأسرة المادية لتغطية هذه النفقات.
هذه المشكلة المزمنة ألقت بظلالها على بنية الأسرة المصرية ككل حيث صارت الكثير من الأسر الشابة تفضل إنجاب طفل واحد أو اثنين على الأكثر تفاديا للنفقات المهولة التي ستتكبدها الأسرة على مدار سنين الدراسة الطويلة التي قد تصل لعشرين عاما. التخطيط المستقبلي بهذه الطريقة أدى لانحلال الأسرة المصرية نظرا للعزوف عن إنجاب الأبناء و حتى العزوف عن الزواج نفسه.
الحال في دول عربية كثيرة لا يختلف عن مصر حيث صارت عملية إنجاب أطفال ومن ثم إلحاقهم بمستوى تعليمي متوسط - ولا يرقي حتى للمستويات العالمية - صارت هذه العملية شبه مستحيلة و حولت حياة الكثيرين إلى جحيم لا يطاق.
في المقابل فإن الكثير من الدول المتقدمة مثل كندا و تركيا و سويسرا تقدم تعليما مجانيا أو برسوم رمزية ولا وجود أو حاجة حتى لمنظومة التعليم الخاص فالدولة تتكفل بتعليم جميع أبنائها تعليما جيدا و بمعايير عالمية.

٣- الأزياء المدرسية و أزياء الحفلات:


الحقيقة أن الزي المدرسي و الاصرار عليه هو خاصية عربية بامتياز ولا نعلم السر وراء التزام المدارس المصرية و العربية بالزي المدرسي فهل سيزيد الالتزام بزي مدرسي موحد من مستويات ذكاء الطلاب أو تحصيلهم الدراسي؟ بالطبع كلا ولكنها مجرد وسيلة لتمييز الطلبة في مدرسة ما عن طلبة المدارس الأخرى ولسهولة تمييزهم بالاضافة إلى قيام المدارس بطلب أزياء معينة من أماكن محددة مما يوحي بوجود شبهة فساد بين المدرسة وشركات توريد الأزياء المدرسية والتي تكون ذات أسعار مبالغ بها و جودة سيئة في نفس الوقت.
الموضة الجديدة في عمل حفلات مدرسية تتضمن ارتداء الأطفال أزياء تنكرية على هيئة شخصيات كرتونية ويتم بيع هذه الأزياء بأسعار باهظة و في أماكن محددة للغاية لمجرد ارتداء الطفل زي باتمان أو سوبرمان لمدة يوم واحد فقط في حفلة لا معنى لها ولا تضيف لعلمه شيئا بل و إن هذه الحفلات ترسخ لمبدأ تعظيم الرموز الغربية وشخصيات الكرتون التي قد تقدم صورة مغايرة تماما عن مبادئنا الاجتماعية المحافظة عن طريق أبطال وهميون لا يصلحون سوى لشاشات السينما.

الحقيقة أن مأساة التعليم في الوطن العربي هي المبالغة الشديدة من المدارس الخاصة في تقييم مصروفات الدراسة ثم تقديم خدمة تعليمية سيئة بلا رابط أو رادع ولا هيئات تراقب هذه الأفعال ولا جودة التعليم المقدمة لتنتج في النهاية جيلا لا يعرف أساسيات القراءة و الكتابة ولا يستطيع أن يسطر سطرا بدون الوقوع في أخطاء نحوية ، إملائية ساذجة. في المقابل فإن الخدمة التعليمية الحكومية تتسم بالرداءة وانحدار مستوى الخدمة عن مثيلتها الخاصة ولا يبدو أن الدول العربية يشغلها مستوى تعليم أبنائها في ظل الفساد القائم و إهدار موارد الدول على أي شيء غير صحة المواطن و تعليمه. 


  • Share

    • 3073
    • 3,832