نختلف لنأتلف: لماذا يجب علينا أن نتبنى ثقافة جديدة للاختلاف؟

أوطاننا تخشى الاختلاف، هذا ما اشعر به واستشفه فى كل موقف يثير الاختلاف من قريب أو بعيد، إما أن يكون رأيك محازيا لرأى المتحدث أيا كان، مساويا له فى المعنى والمضمون وإلا فلا !

ربما الأمر يحتاج إلى توضيح أكثر.. أنا لا أتحدث هنا عن أراء فقهية واضحة لا خلاف عليها بين الأئمة أو أمور دينية مُسلم بها حاشا لله، أنا اتحدث عن العام والمألوف، لماذا لا يُقبل الحوار كطريقة للإثراء الذهنى والمعرفى، وأين نحن الآن من " رأيى صواب يحتمل الخطأ، ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب "، الموضوع يتعدى فكرة الاختلاف والاتفاق، الأمر يبدأ هكذا ربما كمحاولة لاستنباط رأيك حول فكرة ما، ورؤية مدى أهليتك لتعويم رأيك واقناعك بالرأي المواجهة، ثم إذا بدأت تُعمل عقلك وتتخذ رأيا منفردا مستقلا " كأحد حقوق بشريتك الغير معهودة فى أوطاننا بالمناسبة " فلتستعد لتلال من النظرات والشذرات، وفيضان من الكلمات من قبيل أنك واحد خارج من المألوف ومن المعتاد، تسير برأيك من رأسك لا من رأس المجموع، فيالضلالك، وياللحسرة على فقدان رشدك، وكسرك لما اعتاد الكل قبوله.

ربما نفتقد ثقافة الاختلاف أو ربما نحتاج إلى النظر إلى الأراء المختلفة والمتضادة المتضاربة أحيانا بأسلوب آخر، أقل حدة وأكثر عقلانية.

ماذا سيحدث لو تبنينا ثقافة جديدة للاختلاف؟ 

ماذا لو أحببت عرض رأيى بكامل الأريحية  وتركت فسحة كافية من المجال لتعرض رأيك بكامل الحرية، ثم وصلنا لنقطة اتفاق كأرض صلبة للحديث بين أي اثنين؟ 

ومن أراد الوصول لأرض الاتفاق سيصل، ربما تزحزح بسيط عن الغطرسة الفكرية والانحياز التام والمسبق يحققها أو يساعد على تحقيقها.. ثم البدأ فى مناقشة نقط الحوار الجوهرية المتضادة من كل وجهات النظر والخروج بفائدة من كل رأي متضاد فيصبح رأيى صواب بأقل من المائة فى النقطة الأولى، ورأيك خطأ بأقل من المائة فى النقطة ذاتها.. أما النقطة الثانية فسنخرج منها بظهور خطأ رأيى بنسبة أقل من المائة وصواب رأيك بنسبة أقل من المائة أيضا.. ونخرج جميعا من الحوار بتوسعة ذهنية، وتقبل فكر جديد، ونظرة مبعدية، وبصيرة تشمل جميع أركان الموضوع، وبجدال علمى عملى يظهر أن طبيعة البشر مختلفة، وأن الله بحكمته الغير متناهية خلقنا مختلفين لحكمة، وأن تكوين علاقات وهدمها على أساس اتحاد الأراء لا يصنع شيئا جديدا غير النسخ المكررة المعتادة، كماكينة طباعة بدون تجديد، نسيت أن اتحدث أيضا عن خوف مجتمعاتنا من التجديد وبالتالى خوفهم من الاختلاف وبالتالى عدم تقبل الرأى الأخر واعتباره جرما بحق البشرية جمعاء!

يقول الكريم فى كتابه العزيز (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين) 

الآية تقر الاختلاف بل وتجعله سُنة كونية ودليل على صحة المجتمع لأن الطبيعى هو ذاك أما الاتفاق الدائم التام هذا غير طبيعى بل يدعو للتعجب. 

اتذكر حتى اختلاف الفقهاء فى بعض القضايا واجتهاد كل منهم فى رأيه مع عدم التعارض النديّ مع الآخر واختلاف الروايات العشر ووصفها فى علوم التجويد بأنه اختلاف تكامل وتألف لا اختلاف تناقض وتدابر، وأحدث نفسى أن رحمة الله بأمته تتجلى فى فقه الاختلاف حيثما كان وأينما ظهر. 

وأؤكد على أن القصد ليس الاختلاف المفرق المشتت الذى يُنهى عنه، وليس الاختلاف الذى يجعل الأفراد ينفكو عن كونهم كمثل الجسد الواحد فى وصفه صلوات ربى وسلامه عليه، أنا اتحدث عن نوع الاختلاف المرغوب فيه والمفتقد الآن للأسف. 

حسنا إذا أردنا التغيير، فلن يتغير الأمر بين ليلة وضحاها  فلنكن واقعيين،ولكن تغييرات بسيطة وتعديلات غير ملحوظة فى ألية عمل الدماغ، فى تلقينها فن الحوار، والاستماع إلى أكثر الأقوال قبولا، وعدم قبولا، وتوقعا، وعدم توقعا، وواقعية، وغير واقعية، ومنطقية، وغير منطقية ثم التركيز على أرض صلبة للتوافق والبدأ فى حوار هدفه الإثراء الفكرى، والعقلى، والخُلقى، والمعرفى، والانتهاء بفرحة التعلم والمعرفة لا نشوة الظفر والانتصار بالرأى.

أظن هذا كله نوعا من أداب الاختلاف، ففيه يبرز احترام الرأى الأخر وتبجيله حتي مع عدم الاقتناع أو الاعتراف أحيانا به، عدم تصيد الأخطاء بل الإحسان إلى المتكلم لاستباط رأيه الكامل وغيرها من الضروريات فى اللباقة اللازمة لبدأ نقاش أو حديث ما. 

و لا ننسى أن نرفع شعار "تحدث حتى أراك"، وحتى أرى ما يمكن للعقل أن ينتج وما يمكن للفكر أن يصنع، وما يمكن للخيال أن ينسج، وما يمكن للسان أن يسرد. 

هذا لأن تربية ثقافة "نختلف لنأتلف" لن تؤثر فقط على الأفراد فى مجال النقاش ولكن ستخرج أجيال تتوافق وأرائهم على غير وفاق، وتتحد وأرائهم على غير وحدة، وهذا ضرب من الجمال ليس بهين لو تعلمون.. وضرورة للمجتمعات ليس فقط للتعايش والمجاراة ولكن للوئام والنهوض ولتحقيق غاية عظمى تتمحور حول" نختلف؛ لنألتف". 


  • Share

    • 327
    • 646

    Submit your articles

    Submit your articles now to Orrec.