نظرية مكب النفايات

مكالفة هاتفية من صديق مقرب: كيف حالك؟ ما الأخبار؟ كيف الاحوال؟ لا يهم السؤال فالإجابة واحدة دائما (الحمد لله ولكن ظروف العمل قاسية، الدنيا تغيرت، البلد حالها تغير، المرض يشتد علي، أبنائي ليسوا على ما يرام) ثم يطلب الصديق مقابلتي لاسترجاع أحوال الماضي و الذكريات السعيدة، أوافق بكل تأكيد فلعله يحتاج بعض المساعدة أو يريد فقط بث همومه. ألتقي صديقي بمقهى قريب وصدقت جميع توقعاتي، هو ليس على ما يرام بالفعل فقد ظل يشكو غلاء المعيشة وتغير الاحوال وخسارته في التجارة و مصاريف إعالة أولاده وازدياد المرض عليه حتى لكدت اظنه سيخر صريعا في حضرتي ودعوت الله أن لا يحدث هذا الآن.

تذكرت آخر مكالمة مع صديقي والتي كانت من شهر مضى أو من شهور عدة لا أذكر ولكني أذكر نفس الوضع المأساوي المزري ونفس الشكوى التي تزداد وتيرتها في كل مرة عن سابقتها. فكرت في أن أعرض عليه المساعدة المادية أو إحالته لطبيب صديقي فيتكفل بمناظرة وضعه الصحي عله يشفى من مرضه الأبدي، صديقي على الرغم من كل هذا فهو ذو نفس أبية تأبى تلقي المساعدات من الغير ويأبى حتى مراجعة الطبيب الذي رشحته له فهو في النهاية لا يريد أن يثقل على كاهلي وجل ما يريده هو بث همومه و احزانه عن المجد الزائل و الزمن الحائل وتغير الاحوال. ألقيت نظرة بطرف عيني على مفاتيح سيارته التي وضعها على طاولة المقهى، كان يمتلك سيارة جيدة وجديدة و هي أفضل من سيارتي القديمة بكل الاحوال. تلقى مكالمة هاتفية من أحد أصدقائه وظل يضحك طوال المكالمة وبدا لي في حال نفسية أفضل بكثير مما هو عليه الآن، أعدت النظر لهاتفه الحديث باهظ الثمن.

أخذت أفكر بان صديقي يبدو في حال مادية جيدة بالفعل وكأنه فطن لما دار بخلدي فعاجلني بالقول أن حياته كلها قائمة على الأقساط و أن هذا الهاتف جاءه هدية ولا يقدر بالطبع على دفع ثمنه بينما لا يزال يلهث وراء سداد أقساط السيارة و الشقة السكنية الغالية التي يقطنها و مصاريف مدارس أولاده وكل شيء، حتى عمله في شركة دولية و راتبه الكبير لا يكفيان لسداد مصاريف حياته الباهظة.

انصرف صديقي مع دعوات وتمنيات باللقاء قريبا ومازالت مسحة عدم الرضا مرتسمة على وجهه. أخذت أقلب في حسابه على فيسبوك لأجد أطنانا من الصور في شتى بقاع الأرض. يبدو أن صديقي قد أنفق أمواله بالكامل على السياحة! هناك أيضا الكثير من الصور في مطاعم فاخرة و بعض الصور العائلية التي توحي بالبهجة و السعادة. أخذت أفكر: إذا كان صديقي حقا ضائق الحال ويعاني العسرة فهذا يعني أنه يعاني من فصام في الشخصية، كيف و أنى له أن يكون بتلك السعادة في واقعه الافتراضي ويكون بذلك الحزن و اليأس و السخط معي؟

تذكرت الكثير من المواقف المشابهة من أشخاص كثيرون، أقرباء و أصدقاء و زملاء عمل وحتى الكثير من الأشخاص الذين تجمعني بهم معرفة سطحية بحكم الجيرة أو علاقات لحظية في الطريق أو حتى على المقهى ولا يكف لسانهم عن الشكوى و بث الأحزان، فقط أنا لا أبث أحزاني ولا أشكو همي لأي أحد. أحسست بغربة شديدة في هذا العالم المليء بالحزن و الياس و المرض و الفشل و الفقر ومع أن حالي لم يكن أفضل من كثير منهم فإني لم أعلم السر حقا في تكرار الشكوى و بث الأحزان ولماذا يكون موجها لي عن غيري وهل يقومون ببث أحزانهم لأشخاص آخرين أم أنني فقط مجرد مكب للنفايات!.

نظرية مكب النفايات:

الحقيقة أن الموقف السابق و الكثير جدا من المواقف المشابهة من أشخاص آخرين جمعتني بهم علاقة ما في أي موقف جعلني أصل لتخمينين لا ثالث لهما:

أولا: الكثير من الأشخاص يعيشون حياة سيئة ويعانون ويلات المرض و الفقر و غلاء المعيشة والحروب البيولوجية بانواعها و اضطهاد جميع مواطني العالم لهم ولكنني أبدو شخصا موحيا بالثقة فيبدأوا ببث همومهم و أحزانهم نحوي لأنني الوحيد في العالم القادر على امتصاص أحزانهم و اعطاء النصائح الجديرة بالثقة والتي ستغير حياتهم حتما للأفضل.

ثانيا: أن شخص جيد الاستماع ويمكن للآخرين التعامل معي بسهولة مما يؤدي لقيامهم بممارسة فعلهم اللاواعي علي بالشكوى و بث الأحزان بالاضافة لأنني لا أشكو أبدا فكيف تفيد الشكوى شخصا كثير الشكوى. 

الحقيقة التي تكشفت لي هي أن كثير من الناس يحبون الشكوى كنوع من المواساة و تفريغ الاحزان حتى لو لم يكن هناك داع لتلك الاحزان المبالغ بها بالفعل ولكنهم يحبون الاحساس بالحزن و يجبون ممارسة عادة بث أحزانهم للآخرين. هؤلاء الأشخاص لا يريدون انصلاح حالهم بالفعم فهم في حال جيدة وربما كانوا في حال أفضل منك، هم فقط يريدون التحدث عن أي شيء سيء وبث هذا الشعور بالحزن إليك في كل الأوقات الممكنة أو كلما أتتهم عاطفة بث الاحزان.

الجانب الآخر في هذه العملية البائسة هو وجود شخص ذو نفس صافية يسهل تعكيرها بسهولة و سيتعاطف معك في أحزانك اللاواقعية وسيظل يستمع لشكواك لساعات طوال و أيام كثيرة بل ربما سيظل يستمع لك للابد وسيقوم بمواساتك دائما. الشخص الذي أتحدث عنه يصلح إذا جاز لنا التعبير أن نسميه (مكب النفايات) أو حاوية القمامة. 

لنفترض أن شخص ما يعيش حياة سعيدة بالفعل ثم خطرت له بعض الخواطر أو حدثت له بعض المواقف البسيطة التي ادت لتراكم بعض الحزن و النفايات النفسية بداخله، الآن هذا الشخص يريد التخلص من تلك النفايات و الاحزان بداخله ليبقي نفسه نظيفة كما يبقي منزله نظيفا و سيارته نظيفة ولامعة وحياته كلها التي هي أفضل من حياتك بالكثير. هذا الشخص لا يعاني المرض ولكنه يريد أن يحس بالمرض من وقت لآخر لأن الحياة لا معنى لها بدون المرض. هذا الشخص يريد الاحساس بالفقر و العوز من حين لآخر لكي ينضبط احساسه بالكفاح و النجاح في وقت آخر. هذا الشخص لا يريدك أن ترى أي جانب من جوانب النجاح في حياته حتى تكتمل الحبكة الدرامية و تنخدع بالصورة المريضة الزائفة التي يريد بثها إليك. هذا الشخص قد يخشى الحسد فيحاول تفادي أن تحسده بتعداد نقم حياته و موبقاتها ولا يذكر أي نعمة أنعمها الله عليك من نعمه الكثيرة. هذا الشخص هو شخص سام بأقصى درجات السمية ويريد تسميم حياتك ويتعامل معك باستخفاف و استهتار كأنك مكب نفاياته النفسية الخاص واللحظة الوحيدة التي سيتحدث فيها إليك ستكون فقط لالقاء قمامته النفسية داخل نفسك الطيبة.

عاود تقييم علاقاتك:

عليك الآن أن تعيد التفكير وتقييم علاقاتك بأشخاص تعرفهم معرفة وثيقة وتقابلهم كثيرا وتصنفهم في خانة ذوي المحنة و الفقر و المرض و العالة ثم عليك الفصل بين الجانب الذي يظهرونه من حياتهم إليك و الجانب الآخر. هل يعيشون في منزل أفضل من منزلك؟ يمتلكون مداخيل مالية ورواتب أفضل من مداخيلك؟ يتمتعون بالصحة الوفيرة و الحياة العائلية الناجحة؟ هل يمتلكون قدرا من النجاح في الحياة أكثر منك؟

أنا لا أعني بالتأكيد الحالات الانسانية و الأشخاص الذين يستحقون التعاطف و الاحسان حقا. الشخص البسيط الذي يستحق تعاطفك و دعمك لن تعرف عن فقره و حاجته ومسالته بل إنك قد تحسبه غنيا من التعفف (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف). من يستحق مساعدتك لن ياتي ليطلبها في أغلب الأوقات وستسعى أنت إليه لتقضي مسألته أما هؤلاء الذي نعنيهم فهم أبعد ما يكون عن سوء الحال وتقلب المقادير.

هؤلاء الأشخاص السابق ذكرهم ليسوا أصدقائك ولا يمتون للصداقة و القرابة بصلة ولكنهم أشخاص انتهازيون يريدون تسميم روحك وتكدير صفوك ولا يستحقون التعاطف البتة. هؤلاء الأشخاص عليك الابتعاد عنهم فورا وتقليل ظهورهم في حياتك قدر الامكان، لا تستمع لهرائهم النفسي وشكواهم المستمرة وحافظ على روحك نظيفة بعيدا عن هؤلاء. لا تجعل من نفسا مكبا لنفايات الآخرين.

  • 478
  • 1,377

Submit your articles

Submit your articles now to Orrec.