هل تصلح الديموقراطية للعرب ؟

في عام 2011 وبالتحديد في 25 يناير قامت ثورة مصرية عظيمة عصفت بنظام ديكتاتوري قمعي قبع على جسد الوطن لمدة 30 عاما. كانت ثورة يناير انعكاسا لثورة تونس الخضراء ضد الديكتاتور التونسي (زين العابدين بن علي) ليسقط (مبارك) بعدها ب 18 يوم فقط ويليه سقوط (القذافي) في ليبيا و (علي عبد الله صالح) في اليمن و مازال النظام السوري بقيادة (بشار الأسد) قائما يكافح السقوط بعد سبعة أعوام على الربيع العربي. كانت مطالب الربيع العربي واضحة (عيش حرية عدالة اجتماعية) وترجمت الثورات لانتخابات ديموقراطية نزيهة لأول مرة في الوطن العربي حيث تمكن المواطن فعليا من اختيار حاكمه ولكن رئيس المخابرات المصرية حينها (عمر سليمان) صرح بأن الديموقراطية ليست مناسبة للعرب ولا لمصر وقد كان.

سنحاول في هذا المقال تسليط الضوء على تجربة الديموقراطية المصرية ذات العمر القصير و محاولة المقاربة بين المفاهيم الحديثة للديموقراطية و أسس اختيار الحاكم في عصور دولة الاسلام الأولى.

أفرزت الانتخابات المصرية نتائج غير متوقعة باكتساح الاسلاميين وعلى رأسهم جماعة الاخوان المسلمين لمعظم مقاعد البرلمان ثم الفوز بمقعد الرئاسة بسهولة نسبية رغم المقاومة الشرسة من بقايا النظام (المباركي) القديم والذي أصيب في مقتل بعد ثورة يناير التي كادت ان تقضي عليه تماما إلا أن الأمور اختلفت على أرض الواقع حيث جائت الرئاسة وبالا على فصيل الاخوان المسلمين مما نتج عنه خلع الرئيس المصري محمد مرسي عن مقعده واعتصام رابعة العدوية الذي انتهى بمذبحة مصرية وسيل الكثير من الدماء المصرية ثم عودة الحرس القديم أشد قوة وضراوة مما سبق لتفشل أول و آخر تجربة ديموقراطية مصرية حقيقية مع مباركة قطاع كبير من الشارع المصري الذي خرج في تظاهرات 30 يونيو الضخمة دعما لخلع الرئيس المنتخب محمد مرسي في رد فعل غريب من قطاع عريض من المصريين تأرجح بين الثورة على الديكتاتورية ثم عاد للثورة على الديموقراطية مرة أخرى في ظاهرة نفسية تستحق الدراسة لفهم أسلوب الجماهير النفسي.

لم يكن وصول مرسي للحكم و خلعه مستغربا من كثير من المصريين الذين أيقنوا أن الحل و العقد كان و ما زال في يد السلطة العسكرية سواء بانتخابات ديموقراطية أو بغيرها و أنه لا يمكن أن يتولى رئيس ما أمر البلاد بدون توافق مع أيديولوجية النظام العسكري المصري شديد الصرامة وهنا نعود للسؤال الأول: هل تصلح الديموقراطية للعرب؟

الحقيقة أن الاجابة على السؤال صعبة وتعتمد بصورة كبير على فهمنا للديموقراطية كأساس للحكم. تعود جذور كلمة الديموقراطية للتعريف اللاتيني المشتق من كلمتي (ديموس بمعنى الحكم) و (كراتوس بمعنى الشعب) لذلك فالديموقراطية تعني بالأساس حكم الشعب و قيام الشعب ككل باختيار حاكمة في انتخابات حرة أو شبه حرة بحيث يفترض في المواطن أنه يتحكم بالفعل في مصيره عن طريق اختيار حاكمه إلا أن الوضع يختلف كثيرا في الوطن العربي عن العالم الغربي مما أدى بالفشل في تجربة الديموقراطية الأولى الوليدة في الوطن العربي.

لو لاحظت منهاج الديموقراطية الغربي فستجد اعتمادها بالأساس على كفتي الميزان وهما أحزاب اليمين و اليسار ويرجع مصطلح اليمين و اليسار لعصور الديموقراطية الانجليزية الأولى حيث كان يجلس أعضاء الحكومة ومجلس الشعب الموالون للملك عن يمينه ويجلس المعارضون عن يساره ويمكننا تلخيص الوضع ببساطة بأن الفكرة اليمينية قائمة على موالاة الحكومة وتدعيم قراراتها التي قد تكون في مصلحتها عن مصلحة الفرد، يعتمد اليمين على الأسس و المبادئ المجتمعية و الدينية الكلاسيكية ويميل لرفض التغيير، يميل اليمين لفرض الضرائب وتقليل المرتبات في سبيل تقوية موقف الحكومة المالي و الاقتصادي كما أن اليمين يؤيد وبشدة ازدياد رأس المال و نشوء قوى اقتصادية قائمة على مجهود الأفراد. أما اليسار فعلى الجهة المقابلة يميل للانحلال عن القيم الراسخة في سبيل قيم التغيير و التطوير ونشوء أفكار جديدة ولكن على المستوى الاقتصادي فإن اليسار يميل لتقليل الضرائب وشيوع الملكية الفردية و المساواة على حساب قوة الدولة ولمصلحة قوة الفرد كمكون للدولة والانحلال كذلك من روابط الدين و الأسرة في سبيل اعلاء قيمة الفرد و حريته.

لا تكاد تجد أي دولة في العالم ذات نظام ديموقراطي نزيه قائمة بدون وجود كفتي ميزان كبرتين تتألفان من أحزاب اليمين و أحزاب اليسار ولا تكاد تجد كفة غالبة على الأخرى، في أمريكا مثلا هناك الحزب الديموقراطي اليساري الطابع و الحزب الجمهوري اليميني الهوى وكذلك في انجلترا و ألمانيا وحتى اسرائيل، فريق يدفع في سبيل الدولة وضد الفرد وفريق آخر يدفع في صف الفرد وتقليل سلطة الدولة وبينهما تجري الانتخابات بسلاسة بين فريق غالب و آخر مهزوم وتنقلب الكرة بمرور السنين مما يضمن توازنا في أداء الدولة مع الحفاظ على مصلحة الفرد.

لا توجد ديموقراطية بلا أحزاب ولذلك لم توجد ديموقراطية في الوطن العربي لعدم اطلاع المواطن من الأساس على الفكرة الديموقراطية وغياب وعي المواطن البسيط عن مصطلحات الديموقراطية المعقدة و عدم درايته بأي فريق ينتمي إليه حقا بالاضافة لعدم وعيه بسياسات الدولة الاقتصادية وتوجهاتها التي تكون غالبا ضد مصلحته. حتى الأحزاب المصرية في نشأتها بعد ثورة يناير (ولا نتحدث هنا عن الأحزاب التقليدية التاريخية مثل حزبي الوقد و التجمع) فإن جميع الأحزاب السياسية التي نشأت كانت ناتجة عن توجهات استقطابية أيدولوجية بحيث تجعلها غير صالحة لاجتذاب زبائن جدد اذا جاز لنا الوصف. الليبراليون ذهبوا لحزب الدستور و السلفيون إلى حزب النور و الاخوان ذهبوا لحزب الاخوان وبقي النظام القديم من أتباع الحزب الوطني على الولاء لقيادات الحزب الوطني ولم يتغير شيء. حتى أن أحد الأحزاب تسمى باسم (حزب الوسط) كمحاولة للتوسط بين جميع هذه الأحزاب مما باء بالفشل بل أنشأت القيادات المسيحية وعلى رأسها الملياردير المصري (نجيب ساويرس) حزب المصريين الأحرار كممثل غير رسمي للمواطن المسيحي المصري. لا يوجد يمين أو يسار أو وسط من أي نوع هنا، كل فريق ذهب بفرقته و أنشأ حزبا على أساس ديني أو عقدي ولم يقم حزب واحد على أساس المواطنة و جمع الشتات ولم تتطور فكرة الأحزاب لترقى لمصاف السياسات الاقتصادية و السياسات الخارجية. حتى عندنا تولى الاخوان المسلمون الحكم فإن سياستهم الداخلية لم تختلف كثيرا عن سياسة الحزب الوطني السابق حيث النصيب الأكبر ذهب لأهل الثقة عوضا عن أهل الكفاءة و كانت سياستهم الخارجية استمرار لسياسة النظام السابق من موالاة لأمريكا و مهادنة لاسرائيل ومحاولة جميع أكثر عدد ممكن من الأنظمة الخارجية الموافقة على وجود هذا النظام كما وافقت على من سبقه ومن تلاه وكأن الأمر بيد الدول الغربية التي سعى كل نظام مصري لتقبيل أقدامها واحدا بعد الآخر.

لماذا فشلت الديموقراطية العربية؟

بالاضافة للأسباب السابق ذكرها فإن الديموقراطية في الأساس فكرة معرضة للفشل بسهولة حيث تعتمد الديموقراطية على أفضل المرشحين خطابة و لحنا في القول ومحاولة المرشح استرضاء كافة الأطراف مما يؤدي به في النهاية للتنازل عن كثير من مبادئه لجمع أكبر عدد من الناخبين حوله. تحتاج الديموقراطية كذلك لدولة قوية تستطيع قبول أو رفض أي قرار خارجي يتم املاؤه عليها و إلا صارت ديموقراطية مجرحة فالشعب في الدول الضعيفة كحال نظامه الحاكم لا يملكان من أمرهما شيئا و الأمر كله بيد الأمم المتحدة و حزب الناتو. تعتمد الديموقراطية كذلك على استفتاء الشعب ككل بدون مراعاة لمستوى تعليم أو كفاءة الناخب فيتساوى صوت الفلاح القروي الذي لم يتلقى قدرا من التعليم مع صوت الطبيب اللامع مع صوت الكاتب المثقف و غيرها من النماذج الغير متناسقة مع احترامنا للجميع ولكن هل يتساوى صوت الجهل مع العلم وخاصة بازدياد نسب الجهل بصورة كبيرة وعدم وعي الأغلبية الكاسحة من الناخبين بطريقة اتخاذ قرارات خطيرة قد تؤثر في مستقبل أجيال البلد لسنين طويلة. 

قد يبدو الكلام السابق جارحا و شديد القسوة ولكنها الحقيقة المرة التي فطن إليها الرعيل الأول من المسلمين فأنشأوا دولة قوية سادت لالف سنة أو يزيدون. الطامة الكبرى في الديموقراطية العربية هي أنها لم تضع في الاعتبار موالاة كافة فصائل المجتمعات العربية القبلية بطبعها وتاريخها و شخصيتها الواضحة منذ أيام قبائل أراضي الحجاز الأولى وحتى يومنا هذا مع اختلاف مسمى القبيلة ليحل مكانه مسمى الطائفة أو الجماعة. كذلك تاهت التحزبات الليبرالية أو العلمانية في غياهب التجهيل و طمس التاريخ العربي الغالب بطبعه في سبيل ارساء مواطنة قائمة على نبذ الدين وهو لعمري المكون الأهم في الشخصية العربية فلا يمكن بأي حال من الأحوال قيام حزب قائم على اقصاء دور الدين بصورة كلية عن مفهوم الدولة و المجتمعات العربية غير قابلة للحكم بدون الاعتراف بالمكون الديني وهي الحقيقة التي فطنت اليها قوى الديكتاتورية العربية فصارت تقوم كذلك بدور الوصي على الدين و أنشأت مؤسسات رسمية تضطلع بالأوقاف الاسلامية والفتوى وأدخلت طقوس صلوات الأعياد الدينية وحضور المراسم الدينية بكافة أشكالها في نسيج البروتوكول الرسمي لقيادات الدولة. كانت الديكتاتورية دائما و أبدا أذكى من الديموقراطية وخاصة في وطننا العربي وهي حقيقة لابد من الاعتراف بها.

نحن لا نزكي ولا نذم في الديموقراطية ولا الديكتاتورية ولكننا نحاول الاجابة على التساؤل الأول الذي طرحناه وفي غمار طرحنا فسنلقي نظرة ميسرة على حال نظم و اسس الحكم في رعيل المسلمين الأوائل وخاصة بعد وفاة الرسول الكريم لعلنا نصل لبعض الدروس المستفادة من هذه الحقبة التاريخية.

أسس المسلمون الأوائل نظام الحكم قياما على الشورى فيما بينهم ولكن الشورى تختلف كثيرا عن الديموقراطية. تكونت بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام هيئة البيعة والتي كانت تحوي في مجملها المهاجرون الأوائل من اهم بطون القبائل العربية فلم تكن الهيئة قائما في الأساس على السبق في الاسلام بل قامت على عدة عوامل مثل قوة قبيلة العضو القائم بالبيعة بالاضافة لسبقه في الاسلام وصلاح دينه كما راعت في اختيار الخليفة أن يكون قرشيا نظرا لأن قريش كانت أقوى بطون العرب حينها وكان العرب يرتضون خلافتها.

اختار الأنصار سعد بن عبادة خليفة للمسلمين من قبل بيعة أبي بكر الصديق ولكنه كان من الأنصار الذين لا يملكون رصيدا قويا في مواجهة قبائل العرب الجاهزة للانقضاض على الحكم و الردة كذلك ان لزم الأمر و أراد علي بن أبي طالب البيعه لنفسه ولكنه كان ما زال صغير السن فتم استبعاده ليفوز بالأمر في النهاية الخليفة ذو الأفضلية و الخلفية القبلية المميزة كبير السن كثير الخبرة التقي الورع القادر على إنفاذ مشيئته باستجابة أتباعه وحصول شبه إجماع كلي على شخصه.

كذلك كان اختيار المسلمون الأوائل لأبي بكر خليفة لرسول الله في الحكم احقاقا لمبدأ الكفائة و التكنوقراطية بلغة عصرنا هذا على حساب صلة القرابة بين علي بن أبي طالب ورسول الله وهو درس مهم أيضا يجب علينا تعلمه في اختيار الحاكم المناسب.

مما سبق نتعلم الأسس التي نجح بسببها نظام الشورى وفشلت حينها الديموقراطية:

- الشورى تكون للخواص الذين يملكون الأهلية في اختيار الحاكم ولا تكون للعامة.

- يجب أن يحظى الحاكم المنتخب بأغلبية هيئة الشورى.

- يجب أن يحظى الحاكم بظهير قوي على أرض الواقع وموالاة حزب أو قبيلة كبيرة له.

- يجب أن يتمتع الحاكم بالسيرة الحسنة والخبرة الكبيرة في ادارة أمور الحكم بالاضافة للمعرفة الدينية الكافية.

و أخيرا نستنبط أن الحاكم القوي ليس أتقى الناس ولا أسبقهم فقط وليس أقواهم حزبا فقط وليس أحسنهم إدارة فقط ولكنه مجموع ما سبق بالاضافة لنيله الأمر شورى وليس غصبا فمن لم يطلبها أعانه الله عليها ومن طلبها صارت عليه وبالا ومشقة ولم ينل رضا الناس ولا رضا الله ونترك في نهاية المقال لكم الحكم و الاجابة على السؤال الأول: هل حقا تصلح الديموقراطية للعرب؟

  • 668
  • 1,417

Submit your articles

Submit your articles now to Orrec.