هل يستطيع العلم بمفرده أن يؤسس الأخلاق؟

في عام 2010 قام الناشط الإلحادي سام هاريس بالقاء محاضرة شهيرة بعنوان (هل يستطيع العلم أن يجيب على الأسئلة الأخلاقية) وتم نشر المحاضرة عن طريق موقع (TED) الشهير لالقاء المحاضرات المرئية ولاقت المحاضرة الكثير من الاستحسان بين المشاهدين وقاموا بالتصفيق له قياما في المسرح. كانت المحاضرة تحتوي في معظمها على انتقادات للدين الاسلامي وبعض الممارسات الأخرى وكان يستشهد كثيرا بأفعال المتطرفين الاسلاميين كدليل على أن العلم هو من يمكنه الاجابة على الأسئلة الأخلاقية والتي تبدو بسيطة جدا وسهلة الاجابة من وجهة نظر هاريس. إليكم رابط المحاضرة: https://www.ted.com/talks/sam_harris_science_can_s بعد أكثر من مائتي عام على نشأة الدارونية وتيار الإلحاد العالمي وبعد أن صارت العلمانية هي دين الدولة في معظم دول العالم المتحضر صار يتبادر للأذهان هذا السؤال الملح . هل يمكن للعلم أن يشرح الأخلاق وهل يمكن أن تبنى الأخلاق على أساس علمي فقط بدون حاجة للدين؟ يبدو للوهلة الأولى أن هذا السؤال قد يتسم بالسطحية نتيجة الانطباعات المسبقة لدى كل فريق سواء كان فريق المؤمنين أو الملاحدة ولكن عند التفكر في السؤال عن طريق البعد الفلسفي فسنجد أن إجابة السؤال ليست بذات السهولة التي تحدث عنها هاريس في محاضرته. في البداية يجب أن نبحث عن منبع السؤال فطالما كانت الأخلاق حكرا على أهل الدين وكان الدين هو المصدر التشريعي الوحيد الذي يمكن الاعتداد به في تبيان الصواب من الخطأ، ولكن مع انتشار العولمة وتحول العالم لقرية صغيرة بالمعنى الحرفي صار التعامل مع اختلافات البشر ومنها الاختلافات الدينية ضرورة لا بد منها. في هذه الأثناء نشأت الدولة العلمانية لتنهي روح الاستقطاب والتناحر بين الطوائف الدينية المختلفة التي لم تستطع التعايش سلميا فيما بينها فكان الحل هو إلغاء الدين على الجميع وفصل السياسة عن الدين والدين عن السياسة، أو هكذا قالوا!. عندما تحول التيار السائد عالميا إلى العلمانية والانصراف عن مفهوم الدين في التشريع والتنظير الأخلاقي ونتيجة لاعتراض الحكومات على أسباب الادانة الدينية والاتجاه نحو الحريات الفردية صار المشرع الأول للأخلاق هو القانون فصار ما يراه القانون صوابا هو الصواب ومايراه القانون خطأ هو الخطأ وباتت المعركة محسومة نحو الاتجاه بتعريف الخطأ والصواب حسبما ترى القوى الحاكمة والمشرعة وانحسر دور الدين تدريجيا حتى في الدول العربية والاسلامية على دور العبادة والمراسم الاجتماعية. وقعت الدولة العلمانية في مأزق فلسفي عميق حيث استطاع العلم الاجابة على كثير من الأسئلة الحياتية وازداد ايمان البشر به حتى اغتر البعض بالعلم واستبدله تماما بالدين ليحل العلم في غير محله كمنظر للأخلاق وكان على الملاحدة الاستماتة في الدفاع عن معتقدهم (أو على الأحرى - لا معتقدهم) ليقدموه كبديل جاهز للدين في التنظير الأخلاقي وتبيان الخطأ من الصواب وكانت هجمة شرسة من أعمدة الالحاد الكبرى في العالم الآن ومنهم سام هاريس بالاضافة لريتشارد دوكنز و دانيال دينيت وكريستوفر هيتشنز لاثبات أن الدين كمنظر أخلاقي قد فشل في اختبار الأخلاق وقاموا بتأليف الكتب ولم يعد بوسعهم سوى استعمال التطرف الاسلامي كدليل على فشل الدين في تنظير الأخلاق وضربوا بذلك العديد من الأمثلة التي صارت محفوظة لرداءتها مثل حركة طالبان والتطرف الاسلامي والهجمات الانتحارية ومعاداة الشواذ وفرض البرقع على النساء إلى آخره.

هل يستطيع العلم حقا التنظير للأخلاق؟

ليس هدف هذا المقال هو رد الشبهة عن الدين وخاصة الدين الاسلامي ولكن الهدف هو حقا الاجابة على السؤال. كانت إجابة سام هاريس ومعشر الملاحدة عامة هي أن العلم بكل تأكيد يمكنه الإجابة على الأسئلة الأخلاقية لأنها أسئلة بسيطة وسهلة في مكوناتها. مثلا هل ضرب الأطفال من أجل التربية جيد أخلاقيا؟ أم غير جيد. هل قتل البشر هو أمر أخلاقي أم غير أخلاقي، هل من الأخلاق تسميم المياه ليشربها الآخرون؟ هل يمكنك أن تقول أن الطعام غير جيد أو أن الهواء غير أخلاقي؟ وغيرها من السفسطات الالحادية المخلة والتي لا تمت للفلسفة بصلة ولا بعمق السؤال الخطير الذي تم طرحه من قبلهم وليس من قبل الدينيين. يطرح التيار الالحادي الأخلاق ببساطة على أن كل فعل يؤدي لإيذاء شخص آخر هو فعل غير أخلاقي وكل فعل يؤدي لمنفعة شخص آخر هو فعل أخلاقي وكل فعل لا يؤدي لإيذاء شخص آخر هو فعل أخلاقي. ولكن ماذا عن المجتمع؟ هل كل فعل أخلاقي من منظور الفرد هو فعل أخلاقي من منظور المجتمع؟ لنأخذ على سبيل المثال الشذوذ الجنسي وزواج الشواذ والذي يؤخذ على محمل الحرية الشخصية والفعل الغير ضار أخلاقيا في المجتمعات الغربية. ماذا لو أصبح جميع الرجال والنساء شواذ؟ هل أصبح هذا الفعل أخلاقيا الآن؟ ماذا سيحدث للمجتمع بعد خمسين عاما! هل سيستطيع الرجال الانجاب من بعضهم وهل يصب هذا الفعل في مصلحة المجتمع أم يضره؟. سنأخذ مثالا آخر: الزنا، هل إباحة الزنا طالما كان بتراضي الطرفين مفيد حقا لبنية المجتمع؟ ماذا سيحدث لو أعرض جميع البشر عن الزواج وأصبح جميع الأطفال أبناء زنا، هل هذا أخلاقي أم غير أخلاقي. مثال آخر، القمار وهو محرم في الدينين الاسلامي واليهودي، هل المقامرة هي شيء أخلاقي؟ الخمر، هل شرب الخمر شيء أخلاقي؟.

كل هذه الأسئلة السابقة وغيرها هي مواضع اختلاف بين من يؤمن بالدين أو من يكفر ولكن القيم الغربية في إعلائها حرية الفرد أغفلت مصلحة المجتمع ككل. حتى إذا لم تكن مؤمنا بالاسلام أو كان لك معتقد آخر فأظنك أيا كان معتقدك ستتفق معي في بعض النقاط السابقة التي ينكرها الملاحدة بوجه عام طالما كان الفرد غير مؤذيا لغيره فلا يمكن لومه. ولكن حتى إذا كان الأمر كذلك فلماذا أصبح حجاب المرأة المسلمة مؤذيا للملاحدة والثقافة الغربية عموما ولماذا صار الايمان بالدين مؤذيا للملحد؟. إذا كان الملحد مؤمنا بالحرية الفردية فلماذا لا يمكنه تقبل المؤمن ولماذا لا يمكنه تقبل وجود أي معتقد مخالف لفكره ولماذا يسعى بضراوة لنشر فكره الشاذ سوى رغبة منحرفة في الاحساس الداخلي بالصواب عن طريق جمع المريدين وازدياد عدد أفراد مجتمعه المنغلق والذي يدعي الانفتاح.

ماذا عن الأسئلة الأكثر بساطة؟

دعنا من الرموز الدينية ولنتحدث على أرضية انسانية مشتركة. لنفترض أن هناك شخصا فقيرا يطلب الصدقة. أي أساس أخلاقي ستبني عليه إعطائك للصدقة من عدمه؟. لماذا قد يتبرع شخص ملحد لشخص فقير بالمال؟ سيرد علينا سام هاريس ويقول لأن هذا يجعلني أشعر أنني أفضل !. صدقوني لقد سألت هذا السؤال لشخص ملحد من قبل وأجابني أنني قد أعطي الصدقة لأشعر أنني أفضل. في هذه الحالة إذا فقد تفقد بعض المال من أجل أن تشعر أنك تعطي المال فتشعر بالأفضلية! أي عبث هذا ماذا عن الصدقة المستترة؟ إذا تتبعنا المنطق السابق فإن إعطاءك الصدقة يجب أن يكون أمام الكثير من الناس ليزداد شعورك بالأفضلية فعدما يعلم الكثير من الناس أنك تعطي الصدقة سيمنحك هذا شعورا أكبر بالأفضلية ولكن هذا ليس رأي الدين ففي نظر الدين تعتبر هذه مراءاة ونفاق لأن الصدقة في هذه الحالة لم تكن لوجه الله ولكن كانت لتشعر بالأفضلية وتحقيق الذات والتفاخر أمام الناس بالصدقة! في المثال السابق أيهم أفضل للفقير؟ أن لا يعلم أحد أنه من متلقي الصدقة أم أن يتم التشهير به أمام الناس بسبب احتياجه بعض المال!. هنا يفشل العلم تماما في الاجابة عن السؤال.

سؤال آخر. لنفترض حدوث صراع في الغابة بين ذكرين من الأسود أو الكلاب أو أي زوج من الذكور على قيادة القطيع. سيهزم الطرف الأضعف وسيتسيد الأسد الغالب القطيع ولكن الغالب لا يثأر من المغلوب أبدا رغم أن الأسد الغالب كان يمكنه أن يقتل الأسد المغلوب ويتخلص من فكرة أن يأتي المغلوب في يوم من الأيام ليصارعه مرة أخرى على قيادة القطيع وقد يغلبه في هذه المرة. لماذا يخاطر الغالب بالابقاء على المغلوب؟. هل يستطيع العلم الاجابة على هذه المعضلة الأخلاقية؟ سيقول لك الطبيعيون وأنصار الالحاد أن هناك فطرة أخلاقية في جينات الحيوانات وأن هذه الفطرة ورثت إلى الانسان عبر سلسلة التطور لتصل للانسان ليعلم الخطأ من الصواب من تلقاء نفسه!. عن أي جينات يتحدثون وأين هو جين الأخلاق الذي ورث من الحيوان للانسان! من الذي علم الحيوان ليحارب بشرف ويتحلى بأخلاق المنتصر وشجاعة الفارس؟. من الذي علم الأفيال لتنوح على موتاها وتقيم لهم الجنائز ومن الذي علم الجمل ليستحي من الممارسة الجنسية أمام البشر ومن الذي علم القطة لتدفن فضلاتها في الرمال!. حتى الحيوان يستحي وهم لا يستحون.

المرجع الأخلاقي

هنا نسأل السؤال الأهم. ما هو المرجع الأخلاقي للانسان إذا فقد معرفته بالله؟. كل شيء تفعله قد يحتمل الصواب والخطأ ولكن ماهو الثابت الذي ترجع له عند تنظيرك للصواب والخطأ؟. إذا كنت لا تؤمن بالبعث والحساب ما الذي سيجعلك تعرض عن الخطأ في الخفاء وما الذي سيدفعك لفعل الصواب بعيدا عن أعين الناس!. أين هو المقرر لأفعالك وعلام تقيس أفعالك تحديدا؟. خطأ بالنسبة لمن وصواب بالنسبة لمن إذا كنت لا تؤمن بمن شرع لك الخطأ والصواب. في هذه الحال إذا يمكن لأي إنسان أن يفعل ما يحلو له طالما كان يرى أنه صواب من وجهة نظره! يمكنني أن أقتل أي شخص إذا كنت أومن أن لا أحد يراني. يمكنني أن أسرق طالما أمنت الحساب. فكر أخي القارئ في حال عالمنا العربي والاسلامي. هل يعلم أحد بجندي أمريكي قتل جماعة من العراقيين ونجى من الحساب؟ هل ترى على شاشات الاعلام أي إدانة للفوضى وسفك الدماء التي تحدث بشكل يومي هنا في هذه البقعة الموبوءة من العالم؟ ثم يجلس المنظر الالحادي في مقعده الوثير في بناية عالية في نيويورك ويبدأ في تعليمنا الخطأ من الصواب عن طريق مدونة سخيفة أو كتاب تافه في الوقت الذي يقوم به قومه باثارة الحروب في عالمنا وتوريد السلاح وتصنيع القنابل النووية وحروب إبادة لا تنتهي ثم يطعمونك فتات الخبر تحت رايات براقة ولافتات اعلانية ضخمة وعليك أن تدفع أيضا ثمن الطعام كما دفعت ثمن الحرب ثم يحدثونك عن الأخلاق!

  • 1289
  • 2,048

Submit your articles

Submit your articles now to Orrec.